عبد الحميد أحمد

لو تستحي

احتفلت أمريكا وحلفاؤها أمس بانتصارها في «عاصفة الصحراء» في أضخم عرض عسكري منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.

وشاهدنا الجنرال شوارزكوف وهو يزهو في خيلاء المنتصرين جنباً إلى جنب الرئيس الأمريكي ويحق للمنتصرين أن يحتفلوا وأن يقيموا العروض والحفلات، لكن لم نعرف بعد وحتى الآن سبباً منطقياً يجعل المهزومين، أمثال صدام حسين يحتفلون هم أيضاً بل يسبقون المنتصرين في الاحتفال.

وأمس تذكرت ما سبق أن قاله شوارزكوف بعد انتهاء الحرب من انه كان ينوي سحق الجيش العراقي بالكامل واسقاط صدام حسين كما تذكرت ما قاله وليام وبستر مدير المخابرات المركزية المستقيل الذي دهش كيف يستطيع شخص مثل صدام البقاء في السلطة رغم هزيمته المريرة، وشعرت أن كلاً من شوارزكوف ووبستر ظلت في داخلهما غصة، كما أن الشعب العراقي نفسه الذي ثار على صدام، لا شك أن غصته وقهره يزيدان أضعاف أضعاف عما نشعر به نحن.

والمفارقة التي لا يفهمها كل من شوارزكوف ووبستر نفهمها نحن والشعب العراقي فحاكم مثل صدام حسين حوّل هزيمته إلى مزاعم انتصار ساحق، وهزيمة مريرة للحلفاء بمجرد أن بقي في السلطة فهذا البقاء عنده انتصار ولا يهم بعد ذلك إن كان على حساب حوالي ٥٠٠ ألف جندي قتلوا وجرحوا في هذه الحرب العبثية التي زج ببلاده فيها، أو على حساب شعب العراق الذي سحقه بدباباته، ولأن الأمر كذلك فإن المنتصر صدام حسين احتفل أيضاً وعلى طريقته، بعيد ميلاده دون أن يسأل نفسه عن أولئك الذين ماتوا في الصحراء أو على قمم الجبال.

وعنده أن الحرب كلها قامت للقضاء عليه ولأن هذا لم يحدث فهو المنتصر.

طبعاً، هذا المفهوم المقلوب لا يدخل دماغ واحد مثل شوارزكوف ولا مثل وبستر اللذين يريان الأمور بشكل صحيح كما تعوداها في بلدهما، فهناك الهزيمة شاملة وأول من يتحمل أعباءها هو النظام والحكم بينما هنا عند صدام الانتصار كامل طالما أن النظام باق، حتى لو كان على جماجم الجيش والشعب، وحتى لو كان حاكماً على خرابة وليس بلداً وعن هذا لا تسألوا صداماً وحده، بل آخرين أمثال عساكر أفريقيا وأمريكا اللاتينية والجنوبية وكافة الزمرة التي لو استحت لماتت من زمان.

من كتاب (خربشات في حدود الممكن)، إصدارات البيان، 1997.