عبد الحميد أحمد

ديسكو

سمعت مرة حكاية أحد الأشخاص ممن نصفهم بالمحافظين أي «دقة قديمة» بلغة الشباب كان يجلس في حديقة في دولة غربية، يراقب المارة وفجأة دفعه فضوله لسؤال شخص آخر مر من أمامه: «اسمح لي من فضلك هل هذا ولد أم بنت؟» فرد عليه الآخر: «هذه فتاة، إنها ابنتي» فقال المحافظ: «أرجو المعذرة، لم أكن أعلم أنك والدها» فقال الآخر فوراً: «أنا لست والدها أنا والدتها!».

ومثل هذه القصص نسمع الكثير عنها ويتذكر الواحد منا على الفور عدداً منها حين يرى الملابس الغريبة والصرعات التي يقبل عليها بعض الشباب خاصة الذين يستعدون هذه الأيام للسفر إلى الخارج وهناك بالطبع لا يعرف هؤلاء الأماكن التاريخية ولا المعالم الشهيرة في البلدان التي يزورونها سواء كانت بلداناً غربية أو شرق آسيوية قدر معرفتهم بأماكن اللهو و«الديسكو» حتى لو كانت في «زواريب» و«سكيك» وحواري لا يعرفها سكان المدن أنفسهم.

فالسياحة عند البعض هذه الأيام لا تتجاوز هذا المعنى وسمعت عن كثيرين «ساحوا» في كثير من البلدان كانوا يقضون نهارهم نائمين وليلهم «هائمين» من ديسكو إلى آخر وعن آخرين لم يعرفوا عن البلدان التي زاروها إلا الشقق التي كانوا يسكنون فيها ولا يغادرونها إلا إلى المطار مؤمنين عملياً بــ «يا مسافر كثر من الفضائح» والله يستر على الجميع.

وقرأت مؤخراً عن «الديسكو» كلاماً غريباً أثار رغبتي في نقله للقراء، خاصة الذين على أبواب سفر ومن هواة هذه العلب المظلمة التي يكثر فيها الضجيج وينافس إزعاج الكونكورد التي يصل صوت إقلاعها إلى ١٤٠ ديسيبل أي بزيادة ٣٠ ديسيبل فقط عن إزعاج موسيقى وصخب «الديسكو» (١١٠ ديسيبل) ولا نعرف حقاً كيف يتحمل هؤلاء كل هذا الإزعاج دون أن يصيبهم الطرش؟

أما الكلام الغريب وهو كلام علمي على كل حال فيقول إن الديسكو هو الزار الذي تعرفونه جميعكم وكان الناس يلجأون إليه قديماً عن جهل طبعاً، لحل المشكلات الاجتماعية والنفسية ونتيجة لاعتقادات خاطئة كطرد الشياطين من أجساد البشر وفيه طقوس مضحكة، ذبح ديكة، أو بقر، طبول وصراخ وهياج ومرمغة على الأرض، ويقول الدكتور محمد شعلان أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر إن الزار يتواجد في المجتمعات البدائية كأثيوبيا والسودان ونيجيريا ويسمى عندهم «البواز» وفي الصومال ويسمى «السار» وفي الملايو ويسمى «أموك» وبعض الدول العربية الأخرى كمصر وغيرها ويسمى «الزار» مثلما نسميه نحن، أما في الغرب فيسمونه «الديسكو».

وبما أن الغرب ليس من المجتمعات البدائية لكي يظهر عندهم الزار فإن الدكتور شعلان يرى أن المجتمعات الغربية تمنح الإنسان قدراً أكبر على التعبير عن نفسه وعن حالات الكبت والضغط النفسي فظهر «الديسكو» كشكل متطور للزار حيث يماثل «ديسكو» الغرب «زار الشرق» في الشكل ويتقارب معه في المفهوم إذ في الشكلين يمارس الواحد طقوس الجنون والبهدلة و«الشخلعة» و«المرمغة» بلا حرج ولا خوف من إدانة من أحد.

وعلى هذا الكلام العلمي كان بودنا أن نقترح على الشباب أن يستبدلوا مسمى «الديسكو» بــ «الزاركو» فعلى الأقل سيكون لهم دور قومي في استعادة التراث الذي سرقه منا الغرب، لولا يقيننا أنهم لا يعترفون بالعلوم ولا العلماء ولا يصدقون شيئاً من كلام هؤلاء «المسكفين» المعقدين، الذين لا يأتي من ورائهم إلا الهم والنكد.

وفوق ذلك لا يسمعون لأن «الديسكو» أصابهم بالطرش.

من كتاب (خربشات في حدود الممكن)، إصدارات البيان، 1997.