عبد الحميد أحمد

غشمرة يوم الجمعة

هذا الكلام للمتزوجين فقط.

الدنيا مقلوبة، أو في طريقها إلى ذلك، آخر المظاهر على هذا الأمر هو أن يجلس الواحد منا في البيت ويصير «ربة بيت ممتازة» بينما زوجته تعمل وتكسب وتصير «مديرة ناجحة».

ففي مجلة «الرياضة والشباب» هذا الأسبوع موضوع عن مواطن بريطاني تحول إلى زوجة، يجلس في البيت ويطبخ ويغسل ويرعى الأولاد بينما زوجته تذهب من الصباح إلى المساء إلى عملها، وتقول «جين فايري» (الزوجة الرجل) إن زوجها ربة البيت يستيقظ في السادسة صباحاً ويعد لها الإفطار والشاي ويقدمه لها في الفراش ثم يوقظ طفلتهما الصغيرة ويقوم بتغيير حفاضتها وملابسها وإطعامها ثم يصحب «جين» إلى المحطة لتذهب إلى عملها وحين يعود يواصل الأعمال المنزلية الأخرى كالطبخ والغسيل وملاعبة البنت وإطعام الوز والدجاج… الخ.

مثل هذه المظاهر منتشرة في الغرب كثيراً ولا يجدون فيه ما يعيب ومرة قرأت عن أجنبيين يتحدثان عن مشكلات الزواج فقال أحدهما: «دعني أخبرك أني أنا السيد في بيتي ولدى انقطاع الماء الساخن مساء أمس رفعت صوتي قليلاً فسخن الماء بسرعة»، وبعد صمت قصير تابع: «الحقيقة لا أحب غسل الصحون بالماء البارد، وأنت؟».

ونحن لم نصل بعد إلى حالة «جين فايري» وزوجها المسكين ليس لأننا أسود تخاف زوجاتنا من زئيرنا، فالعكس هو الصحيح ولكن السبب هو في أن زوجاتنا والحمد لله بفضل الشغالات السريلانكيات والمربيات الفلبينيات والطباخين الهنود، تجاوزن هذه الحالة، صارت الواحدة منهن حاكمة بيت، ورئيسة ولاية ومقاطعة تحت يديها يعمل فريق عمل متكامل من الذين ذكرناهم سابقاً وانتهاء بالزوج المسكين الذي يكد ويكدح ليل نهار وفوق ذلك لا يسلم من الأوامر والطلبات والحرطمة والبرطمة لأدنى سبب.

وكمثال على الحالة التي وصلنا إليها إليكم حكاية هذا الصديق الذي عاد مرة إلى بيته مسروراً وفي يده لعبة لأطفاله فقال لهم: من هو الأكثر طاعة فيكم، فلا يجيب الماما بفظاظة ويلبي كل طلباتها لتكون له اللعبة؟ فأجاب الأولاد بصوت واحد: خذها لك يا بابا!

أو خذوا هذا المثال عني، فقد سألني الولد الصغير مرة: هل تخاف من النمر يا بابا؟ فقلت له: لا فسأل: وهل تخاف من العفاريت في الليل؟ فقلت له: لا فقال: أنت شجاع يا بابا لا تخاف إلا من الماما!

هذا هو حال الزواج على كل حال فعندنا استبداد مطلق من الزوجات يخلّف في قلوبنا الرعب والذعر والخوف وعندهم في الغرب عبودية تفضي إلى غسل الثياب وجلي الأواني وفوق كل هذا لا تزال المرأة تنادي وتطالب بالمساواة مع أن الرجل الآن هو الذي أصبحت كفته واطية، وعليه أن يرفع شعار الحرية من الاستبداد وأن يطالب بالمساواة مع المرأة.

ولعلكم تتذكرون حالة جحا إذ رآه الناس مرة يشتم ويسب ويلعن «سلسفيل» الدنيا فسألوه عن غضبه، فقال: اشتم الذي تزوج قبلي لأنني حين أردت الزواج لم يمنعني واشتم الذي تزوج بعدي لأنه لم يستشرني.

وبما أنكم يا إخوان الصفا، لم تستشيروا جحا قبل الزواج، فإنني أنصحكم لكي لا تكبر «بلاويكم» بالحفاظ على السريلانكيات حتى آخر رمق والتمسك بالفلبينيات حتى آخر قطرة دم، إذا لولاهن لتحولنا من زمان إلى «ربات بيوت ممتازات» مثل زوج المدعوة «جين فايري» أما الآن فانقذوا أنفسكم وأسرعوا لمصادرة أعداد المجلة من الأسواق قبل أن تقع بين أيدي زوجاتكم، فتعضون أصابعكم بعد ذلك ولات ساعة مندم.

أما الزوجات فنرجو منهن بعد الاعتذار، عدم تصديق هذا الكلام، فما هو إلا غشمرة يوم الجمعة.

من كتاب (خربشات في حدود الممكن)، إصدارات البيان، 1997. ()