عبد الحميد أحمد

التربية وإلا… بلاش

كان يمكن لوزارة التربية والتعليم أن ترد على كافة الشكاوى والاتهامات التي تعرضت لها عند بدء العام الدراسي الأسبوع الماضي، وبما أنها لم تفعل، عملاً بأن السكوت من ذهب، وكل كلام الناس عنها في الصحف وبرامج البث المباشر ومجالس الحريم من نحاس وخردة وصفط فإنني أتطوع اليوم مجاناً للدفاع عنها. ومع أنني كنت أنوي الكتابة بعد الاجازة التي انقطعت فيها هذه الزاوية عن الناس، وحول سفر الصيف ومصائبه السبع، إلا أن موضوع التربية فرض نفسه اليوم.

فشخصياً لم أجد في كل الهجوم على التربية ما يبرره سوى أن أولياء الأمور ورجال الإعلام ونساءهم كانوا متسرعين ومنفعلين ولم يتريثوا ليلتقطوا المفاهيم التربوية التي واكبت بدء العام الدراسي فصبوا جام غضبهم (ولا أعرف من أين جاءت كلمة جام هذه ولو لم تكن عسلاً أو زبداً أو جبناً مثلاً) على نقص الصيانة وتأخيرها وضيق الفصول وبإرهاق الأهالي بمتطلبات المدرسين من كراسات وتجليد وأدوات مكتبية أخرى.

وعندي فإن ضيق الفصول نتيجة للانفجار الطلابي، والذي دعا بعض المدارس إلى إنشاء فصول دراسية من صناديق خشبية معناه تذكير أولادنا من جيل ميكي ماوس وتوم أند جيري وسلاحف النينجا بتراث أجدادهم وماضي التعليم وكيف تطور في الإمارات، وكان يمكن لهذا الهدف أن يكتمل فيما لو وضعت المدارس مرافع بدلاً من المناضد والكراسي ومع ذلك فإن الرسالة وصلت، وأصبح أولادنا يعرفون شيئاً من ماضيهم وذلك بفضل هذه الفصول المصندقة التي ذكرتنا بأيام المطوع والمطوعة.

أما عن طلبات المدرسين والمدرسات وقد ذهب بعضهم إلى حد أن يطلب من التلاميذ جلب الجلاد للطاولات، فذلك لتعويد وتعليم الأبناء على كيفية المحافظة على المرافق العامة وعدم العبث بها بطريقة عملية لا يمكن نسيانها، لأنها تشفط جيوب الوالدين شفطاً وتترك في القلب حسرة على الدراهم التي لهفها أصحاب مكتبات القرطاسية وفي هذا أكبر درس عملي للآباء لتأديب أبنائهم وتعليمهم أصول اللياقة والمحافظة على الطاولات بدلاً من نقش عبارات بذيئة عليها وفي داخل الحرم المدرسي من نوع: من يقرأ هذا الكلام حمار!

زيادة على ما سبق فإن تأخر الصيانة كان هدفه إيصال رسالة مباشرة للآباء لكي يعلموا أبناءهم أهمية المشاركة في بناء المدارس وفي صيانتها، ولو أن كل ولي أم التقط هذه الرسالة وفهمها لما تذمر من وزارة التربية ولا الأشغال العامة، بل بادر إلى إرسال ولده في اليوم الأول إلى المدرسة وفي يده سطل ماء ومكنسة وقطعة قماش وشوية مبيدات حشرية ومنظفات وعلب تعطير الجو بروائح العود والياسمين واللافندر.

وأكثر من ذلك فإن تعليم فلذات أكبادنا تحت أصوات المطارق التي لا تزال تلعلع في باحات المدارس، وتحت هدير عمال البناء تعطيهم فكرة عن العمل وتدعوهم إلى أهمية البناء خاصة أننا في عصر النهضة والتشييد وهذا بالطبع وكما تعرفون أفضل من تعليمهم على موسيقى الهلفوت مايكل جاكسون وغناء الجربوعة مادونا وإيقاعات حمدي باتشان صاحب: «ايه الاسيتوك ده، اللي ماشي يتوك ده».

كل هذه المعاني والدروس والعبر التربوية والتعليمية تجاهلها أولياء الأمور في لحظات غضب ولم يشكروا الوزارة التي في رقبتها مسؤولية تعليم حوالي نصف مليون طالب وطالبة على ثقل وعبء ما تتصدى له من مهام ويبدو أن أولياء الأمور لم يسمعوا بالدرس العملي الذي لقنته مرة سيدة مصرية لأولادها حين التقطت عند إشارة مرور شاباً رث الثياب، نحيف الجسم، حافي القدمين وأخذته في سيارتها إلى بيتها وفيما ظن الشاب المتصعلك أنه بهرها بوسامته واعتقد أنها رأت فيه فتى أحلامها، فوجئ بها في البيت بعد أن أجلسته في الصالون تدخل عليه ومعها أطفالها، فقدمته لهم قائلة: اللي ما بيشربش اللبن الصبح يبقى جربوع زي البني آدم ده!

وأقول لهذه السيدة لا لوزارة التربية: يسلم بقك على الدرس العملي، أما لكم فأقول اللي عنده نكتة يسمعنا!

من كتاب (خربشات في حدود الممكن)، إصدارات البيان، 1997. ()