عبد الحميد أحمد

اتفرج يا تاريخ

من لم توقظه قنبلة دويها شديد لن يوقظه «شلق» ويسميه إخواننا العرب «فشنك» وهي المفرقعات التي يلعب بها الأطفال.

والعرب وقع في عقر دارهم انفجار هائل يكفي لإيقاظ أهل الكهف فيما لو وقع في زمنهم وذلك حين غزا العراق الكويت العام الماضي، لكن التجارب ومنها هذه التجربة المرة أثبتت أننا لا نحب الصحو واليقظة.

فإسرائيل وحدها ومنذ العام ٤٨ وهي قنبلة القنابل التي تهددنا على كل صعيد، ومع ذلك وبفضل سياسة النوم طويلة النفس اعتدنا العيش معها والاطمئنان إليها، ليس لأننا توصلنا إلى سلام معها علينا احترامه وهو ما لم يحدث بعد، بل لأن الإحساس بالخطر لم يعد موجوداً في أجهزة الرصد عندنا، وأجراس الإنذار المبكر تعطلت منذ زمن لم نعد نذكره.

مناسبة هذا الكلام، ما نسمعه ونقرأه بين حين وآخر عن محاولات لسرقة تاريخنا، وهو ما تبقى لنا بعد أن سرق جزء من جغرافيتنا وأجزاء كبيرة من أعمارنا ومستقبلنا. فأمس طلع علينا من طلع من علماء الغرب بادعاءات أن أبو الهول وأبو سمبل والأهرامات وغيرها لا تمت بصلة للفراعنة وإنما هي من نتاج عالم مجهول، وقد كتبنا عن الموضوع في حينه.

اليوم، ضمن هذا التوجه تعاود محاولات مماثلة مصدرها علماء لا نشك لحظة في انتمائهم للصهيونية وفي وجود عقول يهودية من بينهم أو من ورائهم تقول إن كليوباترا وتوت عنخ آمون وغيرهما زنوج أباً عن جد.

إذا لم تستطع هذه الادعاءات أن تثبت نفسها علمياً، خاصة أن نفراً قليلاً من علمائنا في مصر وغيرها يتصدون لهذا التشويه التاريخي المتعمد بجهود فردية، فإنها تعاود الكرة مرة ومرتين وعشر مرات لنسب ما نملكه من منجزات وحضارة وتاريخ لغيرنا، حتى لو كان غيرنا أفارقة من قبائل الزولو أو من شعوب الماوماو أو من عالم «اي. تي» الذي يعرفه أطفالنا عبر الفيلم المشهور.

المهم لدى هذه المحاولات أن نكون بلا تاريخ مثلنا مثل إسرائيل.

عام ٩٢ يصادف مرور ٥٠٠ عام على خروج العرب المسلمين من الأندلس، لكن إسرائيل هي التي تستعد لإحياء هذه المناسبة، تحت ذريعة أنه في العام ١٤٩٢ طرد اليهود من إسبانيا مع أن العرب هم الذين طردوا وكانوا الأكثرية والحكام على الأندلس، فيما اليهود كانوا أقلية يتمتعون كغيرهم من الأقليات بالرعاية والحماية تحت الحكم العربي الإسلامي الذي دام ثمانية قرون وتذهب إسرائيل أكثر باستعدادها هذا لكي تقول بأن منجزات الأندلس هي من صنع رعاياها ولربما أيضاً طالبت بالتعويضات، بعد أن تحظى بالدموع وبكلمات الأسف والاعتذار.

العرب طبعاً لا تعنيهم المناسبة بدليل أننا لم نسمع حتى الآن عن أي استعداد لاستقبال العام المذكور ويبدو أنهم لا يحبون الدعاية لأنفسهم على عكس إسرائيل.

امرأة هي سلمى الخضراء الجيوسي، دقت الناقوس ودقت أبواب الوطن العربي طلباً للمساعدة لإحياء ندوة تسبق أي جهد إسرائيلي فوجدت كل الأبواب موصدة والموضوع لا يهم أحداً.

ولأنها أخيراً استطاعت رغم كل هذا تنظيم الندوة بالاستعانة بغريب هو صدر الدين أغا خان وهي بصدد إصدار مجلس يضم ٤٤ بحثاً حول الحضارة العربية بالأندلس فإننا نستطيع القول: أخطأنا وأصابت امرأة.

وبما أننا في الوطن العربي لا نشكو من نقص الرجال بل من همة مثل همة تلك المرأة، فإن إسرائيل ستمضي في خلع ثيابنا حتى نقف أمامها ١٥٠ مليوناً عارياً على البلاط. واتفرج يا تاريخ.

من كتاب (خربشات في حدود الممكن)، إصدارات البيان، 1997. ()