عبد الحميد أحمد

الشيخ راشد

الناس، كل الناس، أحبت راشد بن سعيد، وسوف يظل هذا الحب عالقاً في صدورهم، كلما حانت منهم لفتة إلى البحر، أو جالت منهم نظرة إلى الصحراء.

ثمة أثر له هنا، ثمة أثر له هناك، تغرس صورته عميقاً في الوجدان الشعبي.

ولأن الرجل هو الأسلوب، فقد كان رحمه الله أسلوباً خاصاً في الحكم والقيادة والإدارة والعمل والبناء والحياة حتى جعل من دبي وناسها هي الشيخ راشد وجعل من الشيخ راشد هو دبي وناسها كما وصفه مرة صحافي أمريكي زائر عام ٧٣.

ومن هذا الامتزاج صنع الحب في أرقى حالاته الإنسانية.

ولسوف تدمع اليوم حتى تمر الذكرى الأولى لرحيله، قلوب من عايشه عن قرب، ومن عاش ملحمة عطائه الفذ وبذله المخلص ومن اندغم معه في رحلة البناء.

سوف تراه الأعين فجراً على شاطئ البحر يخطط لما وراء الأفق ويرسم ملامح دبي المستقبل، وسوف تراه الأعين ضحى في مجلسه البسيط على الخور وهو يجلس لاستقبال مواطنيه بقلب مفتوح وسوف تسمع الآذان صدى كلماته العميق، ورنة ضحكاته المرحة، وسط ضيوفه الذين يتبسط إليهم حتى يحسبه من يراه أول مرة مواطناً لا حاكماً، وحتى صار مجلسه برلماناً نموذجياً لحل مشكلات الناس وسماع شكاواهم ولاتخاذ القرار إضافة إلى ما يحققه هذا المجلس من متعة للحاضرين وهم يجلسون إليه حتى اعتادوا عليه.

كل هذه البساطة كان وراءها في الوقت نفسه، صلابة العمل وحسن التدبير والتفكير وحزم القرار وإرادة المستحيل فكان العمل، العمل وحده العمل بصمت، بلا ضجيج ولا إعلانات، هو هوية الرجل هوية المرحلة التي نقلتنا من حياة الفقر والتخلف إلى أعتاب القرن العشرين دفعة واحدة، وكأن المستحيل الذي لا يقهر قهرته دبي في شخص رجل واحد، هو الشيخ راشد بن سعيد.

وغداً، حين يمر التاريخ ليلتقط من الحياة ذاكرته سوف يتوقف طويلاً عند الراحل الكبير، ليرصد له ما أبدعته مخيلته المفتوحة، وما سطرته معاوله من نهضة وما جادت به نفسه على بلده وشعبه ومواطنيه من خير وحب ونعمة، ننعم بها نحن اليوم.

أما صورته، فسوف تظل ترفرف في سمائنا، عنواناً لواقعنا، وشعاراً لمستقبلنا الذي علينا أن نسعى إليه ونحن نغرف من زاده الذي تركه لنا، وما أعظم هذا الزاد وما أغناه.

وذلكم هو خير ما يجب علينا أن نفعله لرد الجميل، لصاحب الجميل، الذي رحل عن دنيانا منذ عام، تاركاً لنا ولمن بعدنا أجمل سيرة إنسانية: سيرة الحب والعرق.

من كتاب (خربشات في حدود الممكن)، إصدارات البيان، 1997.