عبد الحميد أحمد

الإعلام العربي لا يكذب!!

تصوروا ما الذي يمكن أن يحدث لو أن الناس تخلوا عن مشاهدة التلفزيون وقراءة الصحف نهائياً؟

شخصياً أرى أنه لو حدث ذلك، فالناس سيرتاح بالهم، وستطول أعمارهم، ولن تصيبهم أمراض العصر، مثل القلق وارتفاع ضغط الدم والتوتر والقرحة، فهذه كلها سببها الشد والتوتر وإرهاق الأعصاب.

أكثر من ذلك، فإن سلوك الناس الاجتماعي والصحي سيتغير، إذ إنهم سيأوون إلى فراشهم مبكرين، وعليه سيستيقظون مبكرين نشطين إلى أعمالهم ونشاطاتهم، وقد ترتفع إنتاجيتهم، وتعرفون أهمية الصحو مبكراً للصحة والعمل معاً، حتى قيل «نام بكير واصح بكير شوف الصحة شلون تصير».

أكثر من ذلك، فإن العلاقات العائلية ستعود إلى سابق عهدها، وسيجد كل فرد في الأسرة الوقت الكافي للتحدث والجلوس مع الأفراد الآخرين، سواء كانت الزوجة أو الزوج أو الأولاد.

غير أن سكان هباردوا، إحدى قرى جنوب سريلانكا لديهم دوافع أخرى للتخلص من التلفزيون والإذاعة فقد قرروا عبر مجلس بلديتهم مقاطعة هذين الجهازين، لأن الأخبار المذاعة مشوهة وكاذبة، حسب ما يرون، وأن التقارير الإذاعية لا تتسم بالحياد وتخفي الحقائق لتضليل الناس.

في دول أخرى، الجماهير تحب الكذب وتموت فيه، على عكس السريلانكيين، وفي الكذب كما تعرفون إثارة وبهارات وتسلية.

ففي أمريكا مثلاً، ينشغل الرأي العام حالياً ومنذ حوالي شهرين بقضية القاضي الأسود توماس، الذي رشحه الرئيس الأمريكي لعضوية المحكمة العليا، فثارت في وجهه سلسلة الأكاذيب التي يتسلى عليها الآن الجمهور الأمريكي عبر شاشات التلفزيون، وهم يتابعون استجواب القاضي والشهود من قبل لجنة من الكونجرس على الهواء مباشرة.

وخلال عطلة نهاية الأسبوع تسمر الملايين لمتابعة فيلم «توماس جيت» التي يبدو أنها تدخل ضمن صراع بين الجمهوريين والديمقراطيين على الانتخابات المقبلة، أما الضحية فهو القاضي توماس المتهم بممارسات مشينة وفضائح تتهمه بها أستاذة قانون هي هيل، فيما يرى آخرون أن قضية، أو مأساة توماس، لها طابع عنصري.

توماس قال إن ما يجري هو عملية إعدام من دون محاكمة تتم بشكل متطور تكنولوجياً، وقال إنه يتمنى الموت برصاصة على العيش في هذا الجحيم الذي وضعوه فيه مع عائلته.

المسرحية مستمرة، وهي مسرحية البطل الأول فيها الكذب فعلى حد قول السيناتور باتريك ليهي، فإن توماس وهيل لهما الصدقية والذكاء وكل منهما قدم الشهادة بعد قسم اليمين، إلا أن أحدهما يكذب.

هذا الكذب على أنواعه، مادة رئيسية، ووجبة أساسية على مائدة كثير من أجهزة الإعلام العربية، ولم يكن لينجح لولا أنه يجد جمهوراً يحب الإثارة والفضائح والتسلي على مشكلات البشر من نوع القاضي الأسود توماس، وهو جمهور للأسف تربى وتعلم على يد هذا النوع من الإعلام ولن يفيد فيه الحل الذي فكر به السريلانكيون، لأن حياتهم ستغدو مملة كئيبة بلا كذب وفضائح.

أما إعلامنا العربي، وإن رأى البعض أنه لا يكذب بل يتجمل، فإنني أرى أنه لا يكذب أبداً ولله الحمد، ذلك لأنه لا يقول شيئاً.

من كتاب (خربشات في حدود الممكن)، إصدارات البيان، 1997. ()