عبد الحميد أحمد

لا ونعم

هل يستطيع أحدكم الصوم عن الكلام والامتناع عنه بتاتاً لعام واحد؟

شخصياً أعتقد أن العربي تحديداً لا يستطيع ذلك لدقيقة واحدة، فهو إذا لم يتكلم ويثرثر فإنه سيطق كما يقول إخواننا الشاميون، ففي الكلام فش خلق وتنفيس عن ضغوط داخلية وعن كبت سياسي واجتماعي أيضاً.

أما جون فرنسيس الأمريكي فقد امتنع عن الكلام لمدة ١٧ عاماً متواصلة تعبيراً عن اهتمامه بالبيئة، فقد بدأ إضراباً عن الكلام وقرر إغلاق فمه عام ٧٢ بعد مشاهدته حادث تسرب نفطي في خليج سان فرانسيسكو، ثم أنهى إضرابه في أبريل الماضي وبدأ يشن حملة كلامية من أجل البيئة.

الغربي عموماً قليل الكلام، فحياته الاجتماعية تفرض عليه نمطاً من الوحدة والعزلة والصمت، وفي ذلك كما تعلمون فرصة للتفكير والتأمل والتخطيط، ولربما في هذا يكمن نجاح الغربي في حياته المهنية العملية وسر تفوق الغرب عموماً في الاختراع والابتكار والتطور.

ونعود إلينا، لنكتشف أننا دون كلام لا نجرؤ على الحياة، وبعضنا مثلاً لا يستطيع الذهاب إلى السوق بمفرده، أو السفر إلى الخارج ذلك لأنه يحتاج إلى من يتحدث إليه ويحادثه، وإذا مر يوم على الواحد منا دون أن يلتقي بصديق أو زميل فإنه لا يقاوم إغراء الخروج إلى أي قهوة حيث الثرثرة والكلام والصخب.

بالطبع ليس في الكلام ما يعيب بل فيه حيوية الشعب، أي شعب، ومدى إقدامه على الحياة وحبه لها، لكن من الكلام ما هو لغو وعبث وإضاعة وقت وصنع عداوات، وهو ما نقصده من حديثنا اليوم، فأمس ذهبت إلى ركن الخطباء في حديقة الهايدبارك بلندن، أولاً، لأنني لم أذهب إليها منذ سنوات وثانياً، على أمل أن أجد خطيباً عربياً يتحدث عن قضية الساعة: مؤتمر السلام.

وركن الخطباء الشهير تراجع خلال السنوات الماضية ليصبح زاوية للعرب، يأتي إليه المعارض ليشتم حكومته، ويأتي إليه الحزبي والعقائدي ليروج أفكاره أي أنه صار متنفساً فعلياً للمكبوتين من العرب، ممن لا يجرؤ الواحد منهم على فتح فمه في بلاده إلا لدى بائع الخضرة لكي يطلب كيلو طماطم أو خيار، إلا أن جماعتنا ظلوا حتى في لندن على ما هم عليه العربي يلعن أبو خامس الخليجي، الخليجي يرد اللعن شتما مضاعفاً، وهناك من يردحون ضد مواطنيهم متهمين الجميع بالكفر والإلحاد وهكذا فإن كل ما لدينا من غسيل وسخ ينشره إخواننا على حبال الهايدبارك، يا عالم اضحك علينا.

أما إسرائيل ومؤتمر السلام كمثال، فلا أحد لديه كلمة عنه، أو لعل جماعتنا لم يسمعوا عنه بعد، مع أنه هو الحدث الأهم والقضية الأخطر.

على أن ما نقوله عن جماعتنا في لندن، ما هو إلا الصورة المصغرة لحالتنا في الوطن العربي، حالة اللغو والكلام والصخب والضجيج مع قلة الفعل والعقل والحكمة والتبصر، مع الكلام واللغو الكثير من العداوات ومزيد من الحقد والفرقة وبالتالي استفراد الأعداء بنا واحداً واحداً.

لهذا نحن ذاهبون إلى المؤتمر فرادى لتفاوضنا إسرائيل واحداً واحداً، ولساننا يقول «لعم» بينما الحكمة تقول:

ليكن كلامكم: نعم نعم، ولا لا.

ونحن ضيعنا نعم وضيعنا لا في الهايدبارك، وربما نفقدها أيضاً في مدريد!

من كتاب (خربشات في حدود الممكن)، إصدارات البيان، 1997.