عبد الحميد أحمد

رزق الهبل على المجانين

بما أن المشكلات انتهت في الوطن العربي، ولم تعد عندنا قضايا تشغل البال وتؤرق الأذهان، وكل شيء عال العال، فإننا لابد أن نحتفل بليلة رأس السنة بالطبل والغناء والرقص حتى يطلع الفجر، وبعد طلوعه أيضاً حتى لو كانت هذه المناسبة لا تهم سوى الأجانب والغربيين، فنحن لا يمكن أن نتخلف عن كل مجلس فيه عود، وعن كل قعدة فيها طبل، وعن كل حلقة فيها فرفشة وأنس وإلا فكيف نصير عرباً؟

وأجد هذه الأيام متعة وتسلية في قراءة إعلانات الفنادق عن احتفالات الساعات الأخيرة من ليلة العام الحالي فالفندق الفلاني يعلن عن حفلة تحييها سلطانة الطرب، التي لو سمعتم صوتها فإن نقيق الضفادع يعتبر إلى جانبه سمفونية وآخر يعلن عن عندليب الغناء الذي لو قورن صوته بالنهيق لزعل الحمار صاحب أنكر الأصوات، وثالث يزف البشرى لأن مارد الفن العربي هو الذي يحيي السهرة حتى الخامسة فجراً وهذا صوته الجميل سيجعل النوم يطير من أعين السهرانين… ورابع يغرينا بأميرة الرقص التي قالت لنجوى فؤاد وتحية كاريوكا وغيرهما، قوموا لأجلس مطرحكم.

وحيث إننا مجانين فإننا نصدق ويبدأ الواحد منا في الاتصال لحجز المكان المناسب للرجل المناسب والقريب من البست حيث يحلو النظر، كما نبدأ في ترتيب ميزانية هذه الليلة التي ترتفع فيها درجة حرارتنا.

وفي الحقيقة فإن هذه الساعات الأخيرة من العام تتحول إلى فرصة ذهبية للفنادق لحلب الجيوب وتنظيفها بمكنسة كهربائية قوة خمسة آلاف وات، ما كان لهذه الفنادق أن تنجح في ذلك لولا أن هذه الجيوب تستحق الحلب والكنس حتى آخر قطرة.

وما يجري عندنا يجري في كل عاصمة عربية أخرى من عمان إلى بيروت مروراً بالقاهرة وحتى كازابلانكا، التي يدعونا أحد فنادقها في جرائدنا هذه الأيام إلى حفلة رأس السنة ويدعونا لكي نركب الطائرة إلى هناك من أجل قضاء هذه الليلة على شواطئ الأطلسي.

وقرأت من يومين تقريراً في إحدى الصحف العربية جاء فيه أن المصريين وضيوفهم العرب والأجانب أنفقوا ثمناً لحفلات رأس السنة في القاهرة العام الماضي مائة مليون جنيه، ويتوقع خبراء هذه الحفلات ارتفاع الرقم هذا العام إلى ربع بليون جنيه، مع أن ثمن البطاقة لحضور مثل هذه الحفلات لا يقل عن ٥٠٠ جنيه أما عندنا في الإمارات فيتراوح بين الثلاثمائة درهم إلى الستمائة درهم للشخص الواحد.

وطبعاً نعرف وتعرفون أن الذي يدفع مثل هذه المبالغ ويذهب لمثل هذه الحفلات ليسوا الغربيين الذين يعرفون قيمة الفلوس فيفضلون السهر في بيوتهم مع عائلاتهم وأصدقائهم، وإنما العرب الذين حلوا مشكلة فلسطين، ومشكلة غلاء المعيشة والبطالة والفقر من أوطانهم، فصار يحق لهم السهر واللهو والتمتع على صوت سلطانة الطرب وعلى خصر شجرة الجميز أميرة الرقص وملكة الاغرام – آسف الإغراء.

وربما يقول البعض بعد هذا الكلام الطويل إنني نكدي ولا أحب البسط والفرح أو إنني مقهور من الذين يستمتعون بسهرة رأس السنة، ولكي أثبت لكم عكس ذلك فقد قررت السهر في حفلة فندق «عربكو كله تمام» التي تحييها إمبراطورة النغنشة المطربة «سلام سلم سلامة» والراقصة اللولبية النازلة «عكس الصاعدة» بمصاحبة فرقة «رزق الهبل على المجانين».

وللحجز في حفلة العمر هذه أرجو عدم الاتصال بي تلفونياً لأنني سأكون في سابع نومة.

من كتاب (خربشات في حدود الممكن)، إصدارات البيان، 1997.