عبد الحميد أحمد

ملح الأرض وعطرها

يمر بعض الناس في حياتنا كالطيف، وسرعان ما يعبرون ويغيبون، لكنهم يتركون وراءهم أثراً من بسمة، وقطعة من عمل وقبضاً من عطاء ورائحة من عرق أو قهوة، أو حياة.

وفي المثل إن من يبدع في حياته يموت مبتسماً، وأتصور أن زميلنا يونس أحمد كان من هذا الصنف، وأتصور أنه كان يبتسم حين مات أمس صباحاً بين يدي أمه.

ونعتذر سلفاً للقارئ العزيز لأننا نتحدث عن الموت في الصباح، ونحشره معنا في بعض من همومنا وبعض من حبنا، وعذرنا أن الموت صنو الحياة وطرفها الآخر، ومعادلتها المرة ولكن الحق، وعذرنا أن الحب قاس ولكن الموت أقسى، ونحن في أسرة تحرير «البيان» أحببنا يونس أحمد، رغم قصر إقامته بيننا، وان في داخل أسرة الحب هذه كانت تولد كل صباح الجريدة التي يطالعها قارئنا.

ولأن الموت جمل أسود يبرك أمام جميع الأبواب، كما يقول الأتراك، فقد برك أمس أمام بيت زميلنا، حيث كان في الصباح بين يدي أمه التي راحت تدلك ظهره وتمسد كتفيه، فقد طلب منها ذلك حين شعر بأوجاع وآلام في الظهر، ثم بين يديها مات. وحين وصل الخبر إلى مقر الجريدة، كان الذهول ينتشر في الصالة من وجه إلى آخر، وبعد الذهول لحظات صمت، ثم حزن داخلي، لكن دوامة العمل الصحفي لا تترك وقتاً أطول لحزن، فمثل هذه الرفاهية لا يعرفها الصحفيون في المسرات ولا في الأحزان، فالمواد يجب أن تذهب إلى الصف والتصحيح، وفي الليل لابد للمطبعة أن تدور لكي تكون الصحيفة في الشارع وبين يدي القارئ.

وقبل أقل من عام أخطرت أن شاباً من البحرين سيزورني، وحين دخل المكتب بقامته الطويلة النحيلة وبوجهه الأسمر الذي رسمه ملح البحر وشمس الخليج، وجدت أمامي هدوءاً وخجلاً لم أعهدهما في شباب هذه الأيام ثم بعد تصفح أوراقه، كان لابد من وضعها جانباً لأنها في الحقيقة لم تقل شيئاً، ولم تعبر عن مواهب وكفاءة وخبرة هذا الشاب الهادئ المتواضع والعصامي، فكان لابد من الكلام.

ومن الكلام أن يونس بدأ الصحافة من القاع، حيث هدير المطبعة يصم آذان عمالها في الفجر، وكان يونس يقوم بتنظيف «البليتات» ومنها صار عامل مطبعة، ثم خطوة خطوة تقدم إلى الأمام، فدخل غرفة التصوير والمونتاج فنياً، ثم إلى التنفيذ ومنه إلى الإخراج الصحفي، حتى وصل إلى درجة سكرتير تحرير صحيفة «الأيام» البحرينية.

وفي مشوار العمل الذي بدأه يافعاً وصغير السن كان يتعلم من كل محطة ويتقن عملها، وحين دخلت أجهزة الكمبيوتر عملنا الصحفي في دول الخليج، اقتحم مجالها فبرع وأبدع، وصار ملماً بهذه الأجهزة الحديثة وخفاياها، وكان في كل لحظة عمل يستزيد ولا يشبع تعلماً من ناحية ومنحاً للآخرين من خبرته وتجربته التي استقاها من الميدان لا من أي مدرسة أو جامعة.

وكان حظنا أن عمل معنا، فدرب شبابنا المواطنين على التنفيذ والإخراج، والتقت طموحاتنا بطموحاته وأفكاره في تطوير العمل، فأضاف إلينا ما أضاف بإخلاص وتفان وصمت وأخلاق فريدة في العمل والعطاء والتواضع والحب، فكان مثالاً لشبابنا الخليجي الذي نرفع به الرأس ونباهي ونفاخر.

ومن صباح أمس اختفى طيفه السريع، وبقيت ابتسامته تجوب الصالة، وبقيت أصابعه على ورق الجريدة، وبقي عرقه مثالاً للشباب الطموح العامل والعصامي.

وبما أن هناك شيئين لا نستطيع التحديق فيهما: الشمس والموت، فإننا في سيرة زميلنا يونس أحمد نحدق ملياً في صفحة من صفحات الحياة، التي يكتبها العاملون والمجتهدون والمخلصون.

ولا عزاء إلا في مثل هذه السيرة الناصعة للجند المجهولين الذين هم ملح الأرض وعطرها أيضاً.

من كتاب (خربشات في حدود الممكن)، إصدارات البيان، 1997. ()