عبد الحميد أحمد

خنشور وخنشورة

أحسن ما نبدأ به اليوم حكمة لفيلسوف العصر العربي الزاهر أحمد عدوية حيث يقول: دنيا غرورة، دنيا مدايماشي، ما بتخلي الراكب راكب، ولا الماشي ماشي.

ولولا المقاهي الشعبية لحرم نصف سكان الوطن العربي من سماع مثل هذه الحكمة، فالإذاعات العربية، بما أنها إذاعات محترمة ومتطورة، لا تذيع أغاني عدوية وباتشان وكتكوت الأمير وغيرهم من المطربين اللي تنقط أفواههم عسل علشان يتلقوا النقوط بعد ذلك مع أن كل مواطن عربي لابد أنه يحتفظ بكاسيتاتهم في السيارة أو البيت، ليغسل بها فؤاده وينظفه من الهموم.

لهذا فإن المقهى الشعبي سيظل واحة راحة وانكشاح وبسط لفئات عديدة من المواطنين العرب، حيث يجدون فيها متسعاً من الحرية أولاً لنقد الأوضاع السائدة، وثانياً للالتقاء بالزملاء والأصحاب والخلان وثالثاً وهو الأهم لسماع الحكم الممنوعة في الإذاعات الرسمية، ومع أن بعض الدول العربية تسمي النقد حش ونميمة وتسمي لقاء الزملاء تجمعاً سرياً وتسمي الحكم الشعبية بذاءات وانحطاطاً إلا أن رواد المقاهي يجدون راحة البال في هذه المقاهي، فالواحد إما يطوح برأسه مطروباً مع عدوية ومتقال قناوي متقال وفاطمة عيد، وإما سارح يفكر في اختراع الكذبة التي سيقولها لزوجته التي تنتظره على عتبة الباب بأبو كعب عالي والمكنسة غير الكهربائية طبعاً وإما مستغرق يفكر في اختراع نكتة لآخر كذبة سمعها في الإذاعة وهو في الطريق إلى المقهى. ومثلما في القاهرة وبيروت وبغداد وغيرها من عواصمنا، ازدهرت خلال السنوات الماضية المقاهي الشعبية عندنا وصار لها رواد وزبائن فهناك زبائن الحرافيش وآخرون للفيشاوي وطائفة ثالثة لكوكب الشرق ومارادونا وزهرة الصباح وهكذا ومؤخراً اتصل قارئ ليستنكر ظاهرة جديدة، وهي أن بعض الفتيات يأتين إلى المقاهي بسياراتهن، فيخف إليهن عبده أو حسنين أو زيزو بالشيشة المعسل ومعاها الشاي الكشري المضبوط اللازم لعدل الدماغ. وعلى ذمته فإن الفتيات يكركرن بالشيشة وهن داخل السيارة المحجبة وأنت الجالس على القهوة لا ترى إلا الشيشة على الأرض وخرطومها الذي ينفذ من فتحة الشباك إلى داخل السيارة مثلما المشهد الشهير في مسرحية مدرسة المشاغبين. ولو صدق ما قاله القارئ فإنني شخصياً لا استنكر هذا الأمر لأن الفتيات حالهن من حال الشباب لابد أنهن يتضايقن ويصيبهن الملل أحياناً ثم إنهن يسمعن الإذاعات ويقرأن الصحف مثلنا فيأخذهن القهر إلى أقرب مقهى كما نفعل نحن دائماً.

ولو سمحت لنا زبونات المقاهي، فإننا نقترح عليهن مراعاة للتقاليد ولمنع القيل والقال وهن مب ناقصهن من هذا القيل والقال، أن تبادر إحداهن وتفتح مقهى حريمي خاص لبنات جنسها تسميه الحرفوشات مثلاً أو مقهى النواعم أو بديعة مصابني أو زوزو مجانص أو مقهى بمبة كشر ولو رحبت إحداهن باقتراحنا فإن عليها التفكير بابتكار أشكال جميلة وجديدة للأراجيل مثل زجاجات العطر النسواني التي لها حواف وخصور ورقبة وأرداف وأن تطلب أنواعاً من الخراطيم مثل خرطوم شيشة غوار الطوشة اللي تعزف موسيقى ناعمة مع كل نفس كذلك عليهن التفكير بالمعسل والتنباك بحيث يكون فيه طعم النعناع والفانيليا والشوكولاته، إذ ليس من المعقول أن تغادر الواحدة المقهى وتذهب إلى البيت ورائحة فمها مثل رائحة فم أي خنشور من خناشير المقاهي.

ولو رضيت هي بذلك فسنسميها خنشورة اسم الدلع الجديد البديل لقطقوطة وكتكوتة وعصفورة.

وعجبي دنيا غرورة.
من كتاب (خربشات في حدود الممكن)، إصدارات البيان، 1997. ()