عبد الحميد أحمد

الكتاب الأبيض

ستصدر الكويت، أو ربما تكون قد أصدرته، كتاباً أبيض، ترد فيه على كتاب الأردن الأبيض.

وموضة الكتب البيضاء عرفناها بعد أن وضعت حرب الخليج أوزارها، باندحار القوات العراقية وتحرير الكويت وعودة حكومتها وأهلها إليها، حيث سارعت بعض الدول العربية، ممن تورطت بشكل أو بآخر، في دعم العدوان أو في التغطية عليه، أو في المماطلة في اتخاذ موقف واضح، إلى إصدار هذه الكتب من أجل توضيح مواقفها على حسب زعمها.

لكن بعض هذه الكتب، وربما غالبيتها، لم تكن بيضاء، بل سوداء، فيها من المغالطات والكذب ما فيها، لهذا السبب سترد الكويت بكتاب أبيض بالفعل خالٍ من المغالطات والكذب.

وبما أن هذه الكتب البيضاء، أو السوداء، لم تجلب نتيجة إيجابية، بل على العكس ساهمت أكثر في خلق الشقاق والبعد بين الدول العربية، حيث لم يعترف أي منها بصراحة وشجاعة بفداحة الأخطاء التي ارتكبت في حق الكويت، وفي حق الأمة العربية كلها، فإننا سنقترح اليوم، على بعض هذه الدول، أن تصدر كتباً بيضاء إلى إسرائيل، التي ستذهب للتفاوض معها في الجولة الثانية من المباحثات الثنائية بواشنطن، هذه الأيام، لعل شامير يقتنع بها، فنصبح أصحاباً وأصدقاء وأهلاً بعد العداوة والكره والحقد.

عزيزنا اسحاق شامير يقول مثلنا إن ما محبة إلا بعد عداوة، ونحن ندعوك إلى المحبة، بعد أن ركبنا رأسنا أكثر من أربعين عاماً، وعاندنا كثيراً وتصورنا أن بإمكاننا القضاء عليكم، ثم اكتشفنا أننا كنا مغرراً بنا، حين أوهمنا من أوهمنا بأن في الإمكان الانتصار عليكم.

نعم، أيها العزيز شامير، لقد خدعنا أنفسنا، وخدعنا قلة منا بشعاراتهم وغوغائيتهم، حين صوركم أعداء لنا، جِئتم لسرقة أراضينا ومحاربتنا، ثم بدأنا الآن نصحو من هذه الأوهام، ونعرف ولو متأخراً، أنكم دعاة سلام وبناء وتقدم، ولهذا فإننا نرفع إليكم هذا الكتاب الأبيض، قبل أن نبدأ الجولة المقبلة من المحادثات معكم، عربون ثقة، وهدية محبة، واعترافاً بالخطأ.

إننا نقبلك على الوجنتين لكي تقبل منا هذا، ولا نطلب أكثر من أن تستجيب لدعواتنا الصادقة وأن تغفر لنا سوء تقديرنا وفهمنا لكم طوال الأعوام الماضية، وما كنا لنرتكب تلك الأخطاء، لو لم يلعب بنا الشيطان، قاتله الله.

ولو أن بعض دولنا رفع مثل هذا الكتاب إلى شامير لجره إلى تقديم تنازلات على حسب ما نريد من مفاوضات السلام، لكان جوابه ورده علينا بناء عدة مستوطنات جديدة، وطرد عدد من الفلسطينيين، وقصف مجموعة قرى بجنوب لبنان، ذلك لأن شامير عاقل، لا يمكنه أن يصدق شوية كلام نقوله في مناسبة ثم نلحسه في مناسبة أخرى.

ترى، ألم يكن الذين دبجوا كتباً بيضاء بعد تحرير الكويت، من هذا الصنف، وين دار الهوا داروا!

من كتاب (النظام العالمي الضاحك)، إصدارات البيان، 1998.