عبد الحميد أحمد

هلع الإيدز

ربما أن حديثنا عن الإيدز على مدى يومين أثار هلعاً عند البعض، فالقارئ «م.ج» يقول إنه قرر عدم الذهاب إلى الحلاق إلا ومعه فوطة وموس حلاقة، فهو يخشى من أمواس الحلاقين وفوطهم، التي تمر يومياً على وجوه ورؤوس عدة زبائن، قبل رميها أو غسلها.

والقارئ معه حق، فالمرض انتقل سابقاً إلى أبرياء بطرق مماثلة حيث يؤدي اختلاط الدم إلى الإصابة، عن طريق خدش أو جرح وما زلنا نتذكر قصة السيدة في إحدى البلدان الغربية، التي أصيبت بالإيدز عن طريق طبيب الأسنان الذي كان يعالجها.

غير أن الهلع الذي نريده يصيب الناس من هذا المرض، غير الوسواس والرعب الذي يجعلهم يبالغون وهم يمارسون حياتهم الاعتيادية، إنما المقصود به هو الحرص والحذر، فالاحتياط واجب كما يقال.

ونختتم اليوم حديثنا عن هذا المرض، الذي مازلنا لا نعترف به عندنا، ونغمض أعيننا عنه، بينما يؤكد الخبراء والعلماء والمؤسسات الصحية العالمية، أن أول طريق مواجهته هو الاعتراف به، والانضمام للجهود الدولية في مكافحته.

وقد ظلت الصين على سبيل المثال تنكر وجود المرض وتعتبره من الموضوعات المحظور التطرق إليها، لكنها اليوم اعترفت به، بل قررت في ديسمبر الماضي افتتاح أول مركز للإعلام الخاص بالإيدز في بكين.

وهناك اليوم ١٦٣ دولة اعترفت بوجود الإيدز فيها، فيما حكومات دول أخرى ليست بمنأى عن المرض لاتزال تتكتم عليه، ويقول الدكتور هيروشي ناكاجيما المدير العام لمنظمة الصحة العالمية إن أي دولة لا تستطيع اعتبار نفسها منيعة في مواجهة هذا الوباء، ولا يمكن لأي دولة محاربة المرض بمعزل عن باقي الدول، فالحد من انتشار فيروس الإيدز والعناية بالمصابين وتخفيف التأثيرات الاجتماعية والاقتصادية لهذا الوباء، تحتاج إلى القوة التي تأتي فقط من خلال المشاركة.

وتعتقد منظمة الصحة العالمية أن هناك حالياً مليوناً ونصف مليون شخص مصابون بالإيدز، بينهم نصف مليون طفل، ومن المتوقع أن تعلن خلال هذا الشهر آخر الإحصاءات عن الحالات التي تم الإبلاغ عنها عالمياً، وذكرنا سابقاً أن هناك خمسة آلاف إصابة يومياً، وأن من المتوقع أن يحصد هذا المرض ٤٠ مليون شخص عام ٢٠٠٠. وترى المنظمة العالمية أن أفضل سبل مواجهة الإيدز انتشار الوعي والمعروفة به بين الناس وتغيير تصرفاتهم ومفاهيمهم، ولكن كل ذلك لا يمكن أن ينجح دون اهتمام والتزام تأمين من حكومات الدول، وأن هذا الالتزام يجب أن يأتي الآن قبل فوات الأوان.

في هذا الإطار، فإن بعض الدول مثل فرنسا وبريطانيا طالبت بجعل الإيدز والوقاية منه جزءاً من التربية الصحية للصغار والكبار داخل المدرسة وخارجها، وفي المنازل أيضاً.

وبما أن القارئ لم يتعود منا مثل هذه الجدية، ولكي لا يتهمنا أيضاً بإرعابه و«تلويع كبده» بالحديث في مثل هذا الموضوع المقرف والمثير للاشمئزاز نختم له بهذه الحكاية التي جرت في إحدى الدول الغربية، حيث دخلت مضيفة بإحدى شركات الطيران على رئيسها في العمل قائلة: هل تصدق، سأصبح أما! فرد عليها بهدوء: لا تقلقي لذلك، فالشركة مؤمنة ضد إصابات العمل.

وما كان قصدنا من كل هذا الحديث عن الإيدز، سوى تأمين حياة مواطنينا وناسنا من شره، هو والأمراض الأخرى، لكن بالطبع ليس على طريقة شركة الطيران الغربية التي اعتبرت انتفاخ بطن مضيفتها من حوادث العمل.

وقديماً نصحنا الأهل فقالوا: اتقي تبقى، وجهد الفرد في حماية نفسه وعائلته مطلوب، غير أن هذا الجهد سيظل قاصراً ما لم يدعمه جهد المؤسسات الصحية المعنية وعلى رأسها وزارة الصحة، التي يبدو وحتى الآن أنها تعتبر الإيدز مثل الزكام والإنفلونزا.

من كتاب (النظام العالمي الضاحك)، إصدارات البيان، 1998. ()