عبد الحميد أحمد

رسالة من الأرطاوية

من معسكر إيواء اللاجئين العراقيين بالأرطاوية في السعودية وصلتني الأسبوع الماضي رسالة من اللاجئ عبد الواحد (وبقية اسمه احتفظ به)، يعرف بنفسه على طريقة الذين يرسلون سلامهم إلى أهلهم وذويهم وأصدقائهم فيقول: «إني اللاجئ العراقي المدون أدناه، لجأت في أعقاب الهزيمة الكبرى للنظام العراقي في حرب الخليج، وبعد القمع الوحشي للانتفاضة الشعبية المسلحة ضد عدو الثقافة والأدب والإنسانية الأول صدام حسين إلى السعودية، التي قدمت لنا من كرم الضيافة ما لم يكن غريباً على بلد الإسلام والعروبة».

ويضيف: «نحن الآن، وبعد الوقفة التي وقفناها إلى جانب قرارات مجلس الأمن والجامعة العربية وتطبيقاً للشرعية الدولية على المستوى الشعبي أن نصبح فيه أحراراً، فنحن داخل الأسوار وإن كنا نأكل أفخر المأكولات ونلبس أفخر الملابس ومن خلال الصحف التي تأتينا عن طريق جود إخواننا السعوديين نطلع على الأخبار والآراء والثقافة العربية والعالمية».

ونترك بقية الرسالة، التي أوردت منها مقاطع بالصياغة التي كتبت بها، لنقول إن اللاجئ يبدو أنه مهتم بالثقافة، التي كرر ذكرها في أكثر من مكان، وبدليل أنه طلب في ختام رسالته إرسال بعض الكتب إليه، وهو أمر ليس بمستغرب على المواطن العراقي، المعروف بسعة اطلاعه وشغفه بالقراءة، وثقافته الواسعة، وحبه للعلم، لولا أن قدر هذا المواطن أن يحكمه رئيس مثل صدام حسين.

ونقول لعبد الواحد، إنك لست إلا واحداً من مئات الآلاف من المهجرين والمشردين في بقاع الأرض، بعد أن ضاق بهم الوطن، وتحول إلى سجن كبير وأسلاك شائكة وأسوار عالية، وإن محبي الثقافة مثلك من العراقيين، والمثقفين والمفكرين والأدباء تشردوا في العواصم والمدن، العربية والعالمية، منذ سنوات طويلة، وإن من بقي منهم بالداخل، صار ملزماً بأن يدور في فلك البعث، جناح صدام حسين تحديداً، فرضي إلى أن يبدل الله الحال، وإلا فليس له إلا الصمت القاتل المدمر، أو زنزانة متر في متر، أو طلقة رصاصة في الرأس.

نعم يا عبد الواحد، نتفق معك في أن نظامكم عدو الثقافة، طالما هو عدو مواطنيه، وعدو الإنسان، في حريته وكرامته، التي منحها الله له، ومؤخراً قرأنا أنه شن حملة على الأدباء والمثقفين والصحافيين، وكان من بين ضحاياه هذه المرة عزيز السيد جاسم، المثقف العراقي البارع والكاتب البارز العميق، ولولا لطف الله، لكان الآن شقيقه الدكتور محسن الموسوي في قبضته، لولا أن العناية هيأت له الفرار إلى دولة عربية، فكتبت له النجاة، مثلما كتبت لك.

إن نظاماً لا يفكر بمستقبل شعبه نظام عاطل عن العمل، ولديه من وقت الفراغ ما يكفي لمطاردة شعبه والتآمر عليه، والتخصص في إخضاعه لسلطانه ونزواته وطموحاته، حتى وإن كانت نزوات قراقوشية وطموحات خيبانة مدمرة، كالغزو الذي دمر العراق والكويت، وحطم إرادة العرب ووحدة صفهم فتناثروا أشلاء ومزقاً.

وبما أنني لم ألمس في رسالتك يا عبد الواحد أية نبرة يأس وقنوط، فمعنى ذلك أن عندك أمل، مثلما عند العراقيين آمال وآمال، وكنت أود أن أسألك سؤالاً: كيف تجرأت وأطلقت على «أم المعارك» وصف الهزيمة الكبرى، غير أنني سرعان ما تذكرت أنك لست في العراق.

وختاماً، أتمنى لك الحرية في وطنك لا خارجه، لك السلام.
من كتاب (النظام العالمي الضاحك)، إصدارات البيان، 1998.

()