عبد الحميد أحمد

حزب الحب

الفرح لا عائلة له، وللحزن زوجة وأولاد، هذا ما يؤمن به الطليان ويقولون أيضاً إن فرح القلب يجعل الوجه جميلاً، ولهذا السبب ربما ترى وجوه الطليان، خاصة نساءهم، نضرة وجميلة، ونراهم يتبادلون النكت والضحكات، أكثر من غيرهم من شعوب أوروبا، وهي صفة تكاد تجمعهم، مع سمرة بشرتهم وصخبهم في الحديث وحبهم للكسل، بغيرهم من شعوب الشرق، ومنها شعبنا العربي. غير أن الطليان أحسن منا في أشياء كثيرة، فهم غزوا العالم بالبيتزا والسباجيتي والمكرونة والفيات وبالمافيا وبصوفيا لورين، وبالأزياء الكجوال التي يرتديها الرجال والنسوان والتي ينافسون بها باريس ولندن ونيويورك، فيما نحن عجزنا عن تصدير الكشري والفول والمجبوس والهريس، وعن تصدير أهم سلعة استراتيجية نملكها هي خلافاتنا وصرعاتها الموسمية والفصلية. طبعاً لا يوجد مجال للمقارنة بيننا وبينهم، بل نحن اليوم نتحدث عن صرعاتهم الانتخابية التي ينافسون بها الصرعات الانتخابية الأمريكية، وبما أننا أمس دخل الاطمئنان قلوبنا حين اكتسح مرشحنا جورج بوش منافسه النجم التلفزيوني بات بوكانان، لينافس في نوفمبر المقبل عن الحزب الجمهوري مرشح الحزب الديمقراطي بيل كلينتون، فإننا لحين ذلك التاريخ وبعد أن ضمنا تقدم مرشحنا على منافسيه، نتوقف عند الانتخابات البرلمانية الإيطالية التي ستجرى مطلع الشهر المقبل من باب التسلية ليس إلا، لأن ليس عندنا ما نخشاه من نتائج هذه الانتخابات، اللهم إلا أن يتهور البرلمان المقبل فيغير سياسات إيطاليا، فيمنع عنا السباجيتي والبيتزا واللازانيا التي تعود عليها طلاب المدارس عندنا، وهذا لن يحصل بالطبع. فبعد ترشيح حفيدة الفاشي موسوليني نفسها لهذه الانتخابات متمنية أن تمد لها خالتها صوفيا لورين يدها بالمساعدة والدعم، حميت المعارك الانتخابية، وفي سياق هذه السخونة، صار السياسيون وزعماء الأحزاب يجرون وراء الفنانين والفنانات لكي يكسبوا تأييدهم ودعمهم لهم في حملاتهم، ومن بين هؤلاء الفنانين مغني الأوبرا الشهير بافاروتي والممثل الكوميدي نينوما نفريدي، إضافة لغيرهما من الفنانات والفنانين، الذين يستغلهم السياسيون كوسيلة ودعاية للترويج عن أنفسهم في كسب أصوات الناخبين، مثلما فعل جورج بوش في بداية حملته الحالية، حين ظهر إلى جانبه الممثل شوارزينجر بطل مسلسل المغامرات «تيرمينيتور». وأهم ما في صرعات الإيطاليين، اعتمادهم على النساء، ففي الانتخابات السابقة رشحت نفسها إحدى الممثلات المغمورات، ودخلت البرلمان عارية من أوسع أبوابه بعد نجاح حملتها الانتخابية، حيث كانت تسير في الشوارع سلط ملط، فصوت الناخبون لمواهبها الفذة، ولشعاراتها الصامتة، على اعتبار أن الطليان، وعلى عكس غيرهم من شعوب أوروبا وأمريكا، يعشقون النساء بحرارة، وفي هذه الانتخابات الحالية ينافس الرجال ثلاث ممثلات قمن بتأسيس حزب جديد أطلقن عليه «حزب الحب» مما يتوقع أن يكتسحن غيرهن من المرشحين ويتصدرن قائمة الفائزين، وفي هذه الصرعة تحديداً، فإن الطليان يتفوقون حتى على الأمريكان، وعندهم طرفة يروونها للمقارنة بينهم وبين الشعب الأمريكي، فيقولون إن الفارق بينهم وبين الأمريكيين، هو أن الأمريكي يقضي كل الوقت في العمل بحيث لا يتبقى له أي متسع للنساء، في حين أن الإيطالي يفعل العكس، لذلك يرون أن الوضع المثالي للمرأة هو أن يكون لها زوج أمريكي بسبب رصيده في البنك، ويكون لها عشيق إيطالي بسبب كل ما تبقى، وبإمكاننا أن نجري تعديلاً على الطرفة لنقول عشيق عربي، إذ إننا ننافس الطليان بجدارة في هذا الاهتمام.

ولو أن عندنا في الوطن العربي انتخابات مثل التي في الغرب، فإن أصواتنا ستذهب فوراً، مثلنا مثل الطليان، إلى المرشحات النساء، حتى لو كانت بينهن لوسي وفيفي عبده، لو سمح لهن بالطبع بترشيح أنفسهن، ذلك، لأننا شبعنا من كذب الرجال علينا طوال عمرنا، فيما لم نر من النساء بعد إلا ما يمحو آثار سياسات الرجال علينا، كالضيق والكدر والكآبة والملل، إضافة إلى أننا والطليان نعرف أن شعرة واحدة لامرأة تجر أكثر من عشرة ثيران، كما يقول المثل الإيطالي، شريطة بالطبع ألا تقل هذه عن خالة اليسندرا موسوليني أو أدويج فينج أو نازك السلحدار.
من كتاب (النظام العالمي الضاحك)، إصدارات البيان، 1998.

()