عبد الحميد أحمد

عفواً برتا الإيرلندية

تستحق منا البقرة الإيرلندية برتا حديثاً في هذه الزاوية، ليس لأنها أكبر بقرة معمرة في العالم واحتفل الأيرلنديون بعيد ميلادها التاسع والأربعين، كما جاء في الخبر المنشور أمس، بل للدور الذي تقوم به برتا منذ إحالتها للتقاعد، حيث تشارك في حملات جمع التبرع لمحاربة السرطان، أي أنها تؤدي خدمات جليلة للبشرية، أكثر من البشر أنفسهم، الذين يملأون الأرض حروباً ودماراً وخراباً. وتحدثنا مرة في هذه الزاوية قائلين إن عام ٩٢ هو عام الحيوانات بلا منازع، وضربنا أمثلة على ذلك، ولا تزال وكالات الأنباء وهي تنقل لنا أخبار الحيوانات تؤكد ما قلناه، وإذا كانت برتا أكبر معمرة بين البقر، فقد تحدثنا مرة عن بقرة أخرى فازت بلقب ملكة جمال البقر بأمريكا، حين بزت زميلاتها برشاقة قوامها واتساع عيونها ورخامة صوتها وكبر ضرعها.

وربما نعود إلى الحديث عن البقر وكبيرة القوم برتا في يوم آخر، فللبقر علينا حق، ولولاه لما نما أولادنا وشبوا وصاروا كباراً، إلا أننا اليوم نعبر عن الفرحة عن هذا الانتصار الذي حققته اثنتا عشرة فتاة فلسطينية شابة لوصولهن إلى الأدوار قبل النهائية في منافسات اختيار ملكة جمال عرب إسرائيل، واللاتي رأينا صورتهن أمس تزين صفحتنا هذه وهن (واقفات بوز) على سفح جبل الزيتون، وبما أن لهذا الجبل تاريخاً، ومجرد اقتران اسمه بملكات الجمال له دلالات فإن عندنا سالفة أخرى عن جبل الزيتون نرويها بعد غدٍ.

وغداً وبعد إجراء التصفيات، ستفوز واحدة منهن، وسيكون الطريق أمامها سالكاً للمنافسة على لقب ملكة جمال العالم، غير أن فوزها من عدم فوزها لن يهمنا كثيراً، بقدر ما تهمنا الرسالة التي تحملها جميلة جميلات الفلسطينيين إلى العالم، وما قد تساهم فيه هذه الرسالة في دعم السلام، أكثر مما يقدر عليه مؤتمر مدريد وواشنطن.

فالعالم سيفهم، ربما للمرة الأولى في تاريخ الصراع مع إسرائيل أن الفلسطينيين ليسوا إرهابيين، لأنه لا يمكن لشعب إرهابي، أن يظهر فيه جمال ينافس الجمال العالمي، ثم إن اشتراك هؤلاء الفتيات في مسابقة كهذه في إسرائيل، يعني أن السلام على قدم وساق عملياً، وهو قاب قوسين أو أدنى، وأسهل مما تتصور، لولا مماحكات إسرائيل وألاعيبها، وقبل حوالي أربعة أشهر نقلت لنا وكالات الأنباء صورة تجمع بين ملكة جمال إسرائيل وزميلتها ملكة جمال لبنان، وهما في طريقهما إلى إحدى دول أمريكا الجنوبية للتصفيات، فإذا كانت نساؤنا الجميلات ونساء إسرائيل الحلوات يشتركن في مثل هذه الأنشطة ثم إن العالم نفسه، تعوّد أن يرى الفلسطينيين بسحناتهم الغاضبة ووجوههم المناضلة المكفهرة، هذا على مستوى القيادات، أما على المستوى الشعبي فاعتاد رؤيتهم في المخيمات بكوفياتهم الشاحبة، وثيابهم الرثة، كما اعتاد رؤية صغارهم وشبابهم، فتية وفتيات معاً، بالبناطيل الجينز وهم يرشقون الإسرائيليين بالحجارة والمقاليع، أو وهم يشعلون الإطارات ويثيرون الفوضى، ويرفضون التفاهم مع سلطات الاحتلال، أما اليوم فإن المتوقع أن يحدث انقلاب في مفهوم العالم لهذا الشعب، حين يرى الأناقة والرشاقة والجمال، فيعرف أن هذا الشعب كغيره من شعوب العالم، قادر على صنع الجمال أيضاً، والجمال كما تعرفون صنو السلام وابن عمه. ولعل ملكات الجمال هؤلاء يحققن ما عجز عنه المناضلون والفدائيون وأطفال الحجارة، فيأتي السلام إلى ربوع فلسطين ركضاً تيمناً بحلاوتهن ونضارة وجوههن وجمال قوامهن، فهذه هي رسالة الجمال، الذي ربما كان سفيرنا في الخارج منذ الآن، بعد أن فشل سفراؤنا في شرح رسالتنا وقضيتنا أعواماً، وهم يردحون فوق المنابر، ويصرخون خلف الميكروفونات، ويقولون ما لا يريد العالم فهمه.

أما برتا الإيرلندية فلها منا اعتذار، لأن ستات الحسن والجمال سرقن منها زاوية اليوم كسرقة الكحل من العين.

من كتاب (النظام العالمي الضاحك)، إصدارات البيان، 1998.