عبد الحميد أحمد

كل شيء زفت إلا الزفت

يقول اللبنانيون إن في بيروت كل شيء زفت إلا الزفت.

ولعل مثل هذا القول يصير واحداً من الأمثال الشعبية اللبنانية، التي تعبر عن حال البلد بعد ١٥ سنة من الحرب الأهلية، لم ينتصر فيها أحد، وطلعت الدولة الخاسرة الأكبر.

أما قصة القول فإن مقاولاً تعاهدت معه الدولة على إعادة رصف بعض الطرق في الأحياء الشعبية كالأوزاعي والضاحية، وبعد يومين من رصفه لهذه الطرق جرفت الأمطار الزفت، حيث إن طبقة الأسفلت لم تتجاوز الإصبع الواحد، وطلع المستور كله.

وأسأل السائق الذي أقلني من المطار إلى الفندق: وماذا فعلوا بالمقاول الغشاش هذا؟ طبعاً لم أجد عنده جواباً شافياً، لأنه حقيقة لا يعرف مثل غيره من اللبنانيين ما يجري الآن في بيروت، فهم يسمعون عن إعادة تعمير وبناء غير أنهم لا يلمسون شيئاً من ذلك، سوى الزفت المغشوش والبنزين المغشوش والغلاء الفاحش في كل شيء.

وبما أن الذين كانوا يدمرون البلد بالمدافع والرشاشات ويهدون العمارات بالحديد والنار، ويقيمون الدشم والحواجز ويكسرون الأرصفة بالدبابات صاروا وزراء وكبار موظفي الدولة، فإن مقاولاً مثل هذا، له مواهب تحفير الشوارع، وتنقيرها، ستحمله جرافاته وحفاراته إلى الوزارة المقبلة، حاله حال غيره، ومكافآته لن تقل عن ذلك.

ومن يزور بيروت هذه الأيام، فإنه سيحسب نفسه وهو يرى طرقاتها أنه في خرابة، أرصفة مقلوعة لم يعد لها وجود، حفر وحجارة وتراب وحصى على الطرقات، سيارات سكراب محطمة على الجوانب، إطارات وشجيرات جافة، بضاعة على الأرصفة متوفرة لكن لا أحد يشتريها من اللبنانيين، محلات كئيبة من الصنادق قامت في الحرب، وغير ذلك من صور الدمار الذي مر من هنا.

في البيوت الدولار يذبح اللبناني وأسرته، والدولة عاجزة عن قمع حركته وردع صعوده المستمر، فقد وصل الآن إلى ١٥٥٠ ليرة ومرشح للزيادة أكثر، وصار على اللبناني الذي يريد أن يعيش ويأكل لحمة ويشتري فاكهة وخضاراً ولو مرة في الأسبوع أن يعمل صباحاً كموظف، وبعد الظهر سائق تاكسي أو أي عمل آخر، وفي الليل، إذا توفرت الوظيفة فإنه يرحب بها، وإلا لن يعيش.

أما عن الخدمات، فهي لا شك تليق بحالة مدينة فيها عدة دول وبمدينة سلمت رقبتها للتجار الجدد، تجار مولدات الكهرباء، وتجار الهواتف والاتصالات وتجار العملة والدولار، وتجار المخدرات وتجار الخدمات السياحية للوافدين من الخارج، وتجار المواد الغذائية وغيرهم حتى صارت بيروت كلها إما تجار أو فقراء يرون البضاعة أمامهم ولا يجدون في جيوبهم ما يكفي لشرائها.

ويبدو أن إعادة الإعمار التي قال المتفائلون إنها لن تستغرق إلا سنوات قليلة لن تجيء إلا بعد أن يهجر اللبنانيون عاصمتهم هرباً من الحرب الاقتصادية هذه المرة، خاصة أن المراهنة على المساعدات العربية قد سقطت، بعد أن ضلت هذه طريقها، حتى أن زعيماً عربياً سحب عدة مليارات من استثماراته في الغرب خوفاً عليها فحولها إلى كوريا لا إلى بيروت.

ومع ذلك، يبقى اللبناني لبنانياً حتى النخاع، يحب الحياة ويقبل عليها، ويدور مع الأرض التي تدور حتى لو دوخت رأسه، ولهذا فإن الميكروجيب ظل صامداً وحده خلال الحرب وحتى هذه الأيام، ليكون هو الزي الوطني اللبناني رغم أنف الخراب.

من كتاب (النظام العالمي الضاحك)، إصدارات البيان، 1998.

()