عبد الحميد أحمد

يا ضيفنا إن جئتنا

ربما نعود في زاوية مقبلة للحديث مجدداً عن الروائي اميل حبيبي الذي تحدث أخيراً للرد على مهاجميه على قبوله جائزة إسرائيلية، مبرراً هذا القبول ومصراً عليه، غير أنني أكتفي هنا اليوم بالإشارة السريعة إلى أن قضية حبيبي لا يمكن أن تكون نهاية التنازلات، بل هي في هذا السياق، أما تاريخ التنازلات فطويل، ولولاه لما ركضنا وراء الإسرائيليين ولما وصلنا إلى هذا الحال.

وبما أن أنظمتنا ومؤتمراتنا ونضالاتنا وكافة أحزابنا، من كل الألوان لم تحرز لقضيتنا، التي لم تعد الآن قضيتنا وحدنا، أي نجاح ولا تقدم إلى الأمام، وهي ترفع شعارات لا صلح ولا سلام ولا تنازل، فإن الدور جاء الآن لأحزاب أخرى وشعارات جديدة تتماشى مع مرحلة السلام ومتطلباتها وكأن الشعارات والأحزاب صارت على أيدينا مثل أزياء وموديلات بيير كاردان وجياني فرساتشي وغيرهما، نرتديها لتناسب الطقس أو الفصول، ولكي لا تظهرنا نشازاً وسط العالم.

طبعاً لا نربح من وراء هذه الموضات شيئاً، ولا حتى مجرد الكلام الذي يعفينا من تهمة الإرهاب أو التخلف أو التعصب، الذي لو عشنا العمر كله لظل دمغة لنا حتى نسلم أمرنا نهائياً ونسكت.

ومسلسل التنازل الآن لا يحتاج إلى شجاعة كبيرة، فما سبق من أشكال التنازلات يكفي لتقديم المزيد منها، ولو أن هذه التنازلات أقنعت الآخرين بما فيهم إسرائيل، وأعادت إلينا الحقوق، لقلنا إننا كنا مخطئين، وها نحن نعود إلى الصواب، وإلى العقل والحكمة، لكي يحترمنا العالم فنحظى بحقوقنا.

وبما أن أحزابنا المناضلة، شفاها الله من أمراض نضالاتها، لم تكف وهي تتوب وتبصم وتلحق بمسيرة التنازلات، جاء الآن دور أحزاب جديدة تليق بالمرحلة، وعلى ذلك، فقد تم أمس الإعلان عن ولادة حزب جديد، حزب عربي يهودي مشترك هذه المرة، لكي يناضل فيه العرب واليهود معاً، بعد أن ناضلوا ضد بعضهم ولم يفلح فيه العرب، لا اليهود، فربما يفلحون الآن وهم يضعون أيديهم في أيدي اليهود من أجل حقوق العرب.

الحزب الجديد المسمى عهد المساواة ومقره مدينة حيفا، ويضم مؤسسين فلسطينيين ويهوداً معاً آخر إنتاج نضالي، يكافح من أجل تقديم التنازلات، لأنه يقوم، على حسب بيانه السياسي، على اعتبار إسرائيل دولة لجميع مواطنيها اليهود والعرب وإلى إعطاء الأقلية الفلسطينية الحكم الذاتي.

طبعاً ليس هناك حديث عن دولة مستقلة ولا قدس عاصمة لها، لأن مثل هذا الكلام يصير الآن جزءاً من النضال القديم وشعارات مرحلة ماتت، ومثل هذا الحزب لم يعد مفاجأة، لأنه قبل ذلك، اتفق يهود وعرب وأمريكان على توقيع وثيقة سميت بوثيقة ستاتفورد قبيل محادثات مدريد قدمت من التنازلات هدية للمؤتمر وللسلام ما يكفي: لا عودة للمهجرين عام ٤٨، المستوطنات تبقى، غير ذلك من تنازلات رضي بها العرب الموقعون، كانت مقدمة لمثل هذا الحزب ولغيره من الأحزاب التي في الطريق.

ومع ذلك يذهب العرب إلى المفاوضات، ولو بقي عندهم أشياء أخرى يتنازلون عنها لما ترددوا، أما آخر المطاف فهو القبول بأن يحدد لنا الإسرائيليون الملابس التي نرتديها وأنواع الأطعمة التي نأكلها، ثم إن التنازلات دليل على كرمنا العربي، الذي لو لم يكن عندنا غير شاة واحدة لما ترددنا في ذبحها إكراماً للضيوف.

ومن الأسف أن الإسرائيليين يتحولون إلى ضيوف على طريقة يا ضيفنا إن جئتنا، ولا نقول إلا اللهم احمنا من أنفسنا.

من كتاب (النظام العالمي الضاحك)، إصدارات البيان، 1998.

()