عبد الحميد أحمد

الحبل على الجرار

من مهازل عصرنا العربي البايخ والكئيب أن نضالاتنا العتيدة وخطفنا للطائرات وتفجير السفارات وخطف الرهائن قد توقف عن الأجانب وتحول إلينا، فصرنا نحتجز سفراءنا كرهائن ونطالب بفدية عنهم، وذلك من اليوم الذي تحولنا إلى أعداء رسميين لبعضنا من بعد أم المعارك، التي عركتنا وحطمت عظامنا وخلخلت عقولنا.

وبما أن أمريكا تبحث لها عن أعداء، على حسب ما قاله مؤخراً وزير دفاعها ديك تشيني، بحيث تكون مستعدة لمواجهتهم لتضمن لنفسها السيطرة المطلقة على العالم، فإنها لن تجد عدواً أحسن منا، وفي حالة ضعف تغري بمعاداتنا حتى من دون سبب.

والبحث الأمريكي الدؤوب عن عدو بعد انهيار الاتحاد السوفييتي يتعاظم لأنها بلا أعداء لن تكون أمريكا وربما أن حملتها على ليبيا حالياً. ودول عربية لاحقاً من يدري، هو في هذا السياق، الذي يعطي لأمريكا مبرراً لقوتها ولفرض شروطها على العالم ولقيادتها لنظامها العالمي الجديد، الذي أراد التأسيس له المأسوف على أفكاره جورباتشوف، فانتقل الأمر منه إلى يد واشنطن الطويلة جداً.

وفي الطريق من بيروت إلى دمشق مروراً بالجبل، تذكرت أمريكا، التي لها في كل حرب طبخة وقرص، حين شاهدت قرى الجبل وضيعها وبيوتها الخاوية المتصدعة المهدمة، حيث كانت هدفاً لنيوجيرسي وقذائفها وراجمات صواريخها.

إلا أن أمريكا خرجت من لبنان مدحورة ومهزومة عسكرياً، كما خرجت من قبلها من فيتنام والهند الصينية وغيرهما، غير أن الأنكل سام لا تهمه مثل هذه الهزائم الصغيرة، لأن العبرة عنده فيمن يضحك في النهاية، وها هو يقهقه اليوم فيما لبنان يبكي وهو أعجز من أن يلتقط أنفاسه ويلملم جراحه، بفعل حروب أبنائه وحروب الآخرين على أرضه، ومعه تبكي بلدان عربية بأكملها، عليها أن تقدم فروض الولاء والطاعة وإلا فلا مكان لها في النظام العالمي على الطراز الأمريكي. ومع ذلك فإنه لا يمكننا أن نلقي بكل عثراتنا على أمريكا، لأن ما فعلناه بأيدينا في أوطاننا لا يقل وحشية عما تفعله فينا أمريكا، وهذه الأيام فإن اللبنانيين يأخذون ضيوفهم من العرب والأجانب إلى منطقة الأسواق التجارية لاطلاعهم على منجزاتهم الوطنية والكفاحية، حيث حولوا هذا المنطقة التي كانت قلب بيروت النابض إلى لوحة سريالية حقيقية، لو أن سلفادور دالي نفسه لايزال حياً وزارها لأعلن اعتزاله الفن وتوبته عن السريالية.

واليوم صار لبنان ينتظر مجيء أول سائح أمريكي تحديداً لكي يعرف أنه بدأ يتعافى وأنه على الطريق الصحيح ليعيد ما دمره أبناؤه، لأنه من دون هذا السائح لن يكون هناك استقرار ولا دولار ولا إعمار، وبعد لبنان دمر واحد منا العراق والكويت، ولا يزال يدمر بلده، وخلق من العداوات فيما بيننا ما لم تحلم به أمريكا ولم يستطع الآخرون إنجازه.

ومع أن لبنان كان أصغر ولا يزال من أن يكون عدواً لأمريكا، فإنه لا يزال عليه أن يدفع ضريبة موقعه الجغرافي وموقفه السياسي، وعلينا. نحن العرب أجمعين أن ندفع مجموعة ضرائب أخرى ومن بينها عداوتنا لأنفسنا ولأوطاننا ولشعوبنا، لأن ما بيننا من عداوات لم نحسن بعد حلها والتغلب عليها تغري الآخرين، بمن فيهم أمريكا، في اختيارنا كألذ الأعداء وأشهاهم طعماً ونكهة، ولو لم نكن أعداء أنفسنا لما طمع فينا الآخرون.

والمائدة المفروشة كما ترون طويلة من الماء إلى الماء وفوقها من اللحم الكثير من الأصناف والأنواع المغرية، والحبل على الجرار.

من كتاب (النظام العالمي الضاحك)، إصدارات البيان، 1998.

()