عبد الحميد أحمد

العراة تحت إشراف الحاخامات

بما أن سوريا سمحت أخيراً ليهودها بحق السفر، فإننا لا نتصور أن هؤلاء سيحملون حقائبهم من الغد على ظهورهم لييمموا شطر إسرائيل، وهم يعرفون أنهم لن يجدوا فيها ما يجدونه في سوريا من أمان واستقرار واحترام، حتى أن غالبية هؤلاء هم من كبار تجار سوريا وأثريائها، ويكفي أن أهم وأفخم ١٥٠ محلاً للذهب والملبوسات وغيرها في دمشق هي ملك ليهود.

وكانت إسرائيل قد دأبت على شن حملات متواصلة على الاتحاد السوفييتي أيام بريجنيف، يساعدها في ذلك الولايات المتحدة، بحجة عدم السماح لليهود بالمغادرة إلى أرض العسل والميعاد، وفي كل مرة كانت شعارات حقوق الإنسان هي المشجب الذي تعلق عليه مثل هذه الحملات.

غير أن بعض اليهود كان يجد لبريجنيف عذراً في منعه اليهود من الهجرة، وكان هؤلاء يقولون إنه من الصعب على هذا الزعيم نصف النائم أن يميز اليهودي ويعرفه من غيره، وعلى ذلك، فإن حاخامات اليهود المتزمتين في إسرائيل أباحوا في وقت ما مسابقات الجري للعراة، لأنها الطريقة الوحيدة الممكنة لتحديد من هو اليهودي.

ولو أننا فتحنا عيوننا وقتها جيداً، وطورنا استراتيجيات وتكتيكات تعاملنا مع إسرائيل، لأمكننا اليوم تهريب آلاف العرب إلى إسرائيل بإشراكهم في مثل هذه المسابقات، وكنا سنحتاج فقط إلى تعليم هؤلاء العبرية وبعض تعاليم التوراة، فبقية المواصفات والشروط، خاصة شرط الختان، تتوفر بالتمام والكمال وبلا أدنى نقصان أو زيادة، ولكان عندنا اليوم آلاف مؤلفة من الطابور الخامس وأبنائهم من اليهوديات، وبإمكان هؤلاء تدمير إسرائيل من الداخل واحتلالها والسيطرة على اقتصادها، والضغط على حكوماتها لاتخاذ مواقف لصالحنا، ولكنا اليوم في موقف تفاوضي أقوى مع الوفود الإسرائيلية، بلا حروب ولا خسائر فلوس وأرواح وتخلف اقتصادي، ولا شعارات مدوية كالتي كنا نسمعها ونردح بها في زمان مضى.

ونعود إلى المهاجرين، الذين كانت إسرائيل تغريهم بالهجرة إليها، حتى أن اليهودي الروسي كان يحصل على بيت فور وصوله، وعلى عمل، وفي بعض الأحيان تفتح له دكاناً، مما أثار غضب وحنق اليهود القادمين من الشرق الذين طالبوا الحكومة، من باب السخرية، أن تجلب لهم الزبائن أيضاً، وكان هؤلاء يقولون إن السلطات تمنحهم بصعوبة سريرين في معسكر إيواء، أما إذا كان المهاجر روسياً فإنها تمنحه شقتين، شقة له وشقة أخرى لكلبه.

إلا أن هذه الصورة المخملية سرعان ما انهارت مع فتح باب الهجرة لليهود السوفييت على مصراعيه، حتى جاءوا بالآلاف ليجدوا أنفسهم عاطلين عن العمل وشحاذين، وبعضهم فضل المبيت في بيوت الكلاب لكي لا ينام في الحدائق والشوارع، وهكذا بدأت رحلة الفرار من إسرائيل، وطلب اللجوء إلى البلدان الأوروبية، كما تناقلت ذلك وكالات الأنباء مؤخراً، وعلى ذلك أيضاً بدأ الروس يمتنعون عن الهجرة، فنار يلتسين أرحب عندهم من وهم جنة شامير.

وإذا كانت إسرائيل نجحت حتى الآن في استثارة الرأي العام الغربي تحديداً لتهجير اليهود من كل مكان إليها، تحت دعاوى حقوق الإنسان ولم شمل العائلات، فإن مثل هذه الدعاوى تنطبق أيضاً على الفلسطينيين في الشتات، غير أن دولنا العربية لا ترفع للأسف مثل هذه الشروط في وجه المفاوض الإسرائيلي لأن أدبها الجم يمنعها من ذلك، ولو واتتها الشجاعة وفعلت، فإن إسرائيل لن تتردد في قبولها، مع شرط آخر، هو أن يغادر الفلسطينيون في الداخل ليلتم شملهم مع عائلاتهم في الخارج، لأن أراضي الداخل لم يعد فيها متسع لليهود، مع أن الفلسطينيين سيكونون في مقدمة الذين لهم حق الهجرة إلى أرض الميعاد لو اشتركوا في مسابقات الجري للعراة تحت إشراف الحاخامات لو أن عند هؤلاء عدالة وبعد نظر أيضاً!

من كتاب (النظام العالمي الضاحك)، إصدارات البيان، 1998.

()