عبد الحميد أحمد

أقمار صناعية

شعراؤنا الذين تعلقت قلوبهم بالقمر وتغزلوا فيه، حتى شغلونا معهم في حب القمر، لم يتنبأوا لحظة بالقمر الصناعي، الذي علينا من الآن أن نعمل له ألف حساب وحساب وأن نضعه نصب أعيننا ليل نهار، لكن ليس على طريقة الشعراء الحالمين.

ومثلما سقط هؤلاء الشعراء كأجهزة إعلام في وقت من الأوقات، فإن أجهزة ووسائل إعلام أخرى مرشحة في عصر التكنولوجيا والأقمار الصناعية الذي نعيشه حالياً للسقوط إلى الهاوية.

ومع أن صحيفة ضخمة مثل «البرافدا» السوفييتية توقفت عن الصدور، لأن حزبها الذي كانت تنطق باسمه انهار، ومعه انهارت الدولة القومية التي كان يحكمها هذا الحزب، إلا أن توقف هذه الصحيفة لم يكن لأسباب سياسية وحدها، «البرافدا» ومعناها الحقيقة، لا تنشر الحقيقة ولا تملكها، فالأقمار الصناعية التي تنقل عبر العالم مختلف الأخبار والأنباء تملك من الحقائق أكثر منها، وتعبر عن الحقائق بحرية أكبر مما تفعله هذه «البرافدا».

صحيفة «نيويورك تايمز» قررت ملء فراغ سقوط «البرافدا» فها هي هذه الصحيفة الأمريكية سابقاً، باللغة الروسية، ورقم الطباعة هذا مرشح للارتفاع طبعاً ليصل ربما إلى عدة ملايين من النسخ، يقرأها الروسي والأوكراني والجورجي والأذربيجاني وغيرهم كل صباح، مع وجبة الماكدونالد الشهية، التي سبقت في الدخول إلى هناك قبل غيرها.

ومن أمريكا نفسها، نقرأ خبر اقتراب توقف وكالة يونايتدبرس عن العمل، نتيجة لإفلاسها، وهي ثاني أكبر وكالة أنباء أمريكية بعد الأسوشيتدبرس.

وما نراه هو أن الصحافة والتلفزيون معاً يهزمان حالياً وكالات الأنباء حيث أصبح للصحف الكبرى مراسلون في كل مكان، ولم تعد بحاجة إلى أخبار هذه الوكالات، أما الصور فإن الصحافة صارت تأخذها من محطات التلفزيون عابرة القارات عن طريق الأقمار الصناعية، إلى المطبعة مباشرة عبر جهاز الكمبيوتر الذي يعد صفحات الصحيفة للنشر، كما أن التلفزيون نفسه يتولى حالياً من جهة أخرى منافسة الصحف إلى حد القضاء على سوقها.

أول ضحايا القمر الصناعي ستكون وكالات الأنباء التقليدية، ثم تليها الصحف، غير أن الصحف ربما استطاعت الاستفادة من هذه الأقمار وخدماتها لتطور حركتها وانتشارها وتوزيعها، وكل ذلك بالطبع سيكون على حساب الصحافة الوطنية في البلدان التي لا تمتلك إمكانيات تكنولوجية ولا مادية كبيرة، كتلك التي تمتلكها صحف أمريكا وأوروبا مثلاً.

وربما بعد سنوات قليلة لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، تكون عندنا في الوطن العربي طبعاً يومية باللغة العربية من «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» و«الفايننشيال تايمز» وحتى «البلاي بوي» وغيرها من صحف ومطبوعات الإمبراطوريات الإعلامية العملاقة، يتحول إليها القارئ العربي الذي لا يجد في صحفه الوطنية غير أخبار بائتة وإعلانات حكومية، وحقائق وملفقة، كالتي كانت تنشرها «البرافدا».

وعلينا ألا نستغرب مثل هذا التطور الذي يوفره القمر الصناعي وأجهزة الكمبيوتر، التي قيل إن أجيالاً جديدة منها تستطيع ترجمة اللغات وتصحيحها أيضاً فوراً، لتسهل بذلك مهمة هذا الغزو الإعلامي، الذي ستمتلكه احتكارات إعلامية جبارة، ولنا في الخدمات التلفزيونية عابرة القارات التي نشاهدها الآن في بيوتنا شاهد حي.

وشخصياً، بدأت أفكر جدياً في البحث عن مصدر للرزق آخر قبل أن تبور بضاعتنا وتكسد ولا نجد من يقرأها، أو حتى يلف بأوراق صحفنا التي كلها سواد من الحبر السيء والطباعة الرديئة، سندويتشات الفلافل والشاورما.

من كتاب (النظام العالمي الضاحك)، إصدارات البيان، 1998.