عبد الحميد أحمد

خوش تعليم

لم نقصد أمس الإساءة إلى إخواننا المدرسين العرب، ولا إلى زيادة همومهم هماً، من الذين ذهبوا أو سيذهبون، ضحية التأنيث، بل إلى إعادة الضحكة والبسمة إلى وجوههم التي أصابها التقطيب والحيرة منذ سمعوا بحكاية التأنيث هذه، وأول ما نقترح أن ينظم صندوق التكافل بوزارة التربية، تكريماً لهؤلاء باعتبارهم مدرسين قدامى صاروا الآن في ذمة التاريخ، أو صاروا من الآثار، التربوية الخالدة، حفلات ترفيه وسمر، يحييها فنانون وفنانات، ومسرحيون كوميديون أو تنظم لهم زيارات سياحية خارجية في الصيف، حتى يفرفشوا قليلاً عن همومهم، ويسترجعوا طاقاتهم فيستطيعون التفكير مجدداً في مستقبلهم وفيما عساهم فاعلون، بعد أن يعيدوا، عن طريق هذه الحفلات، توازنهم النفسي الذي قصفته تاء التأنيث قصفاً بالمدفعية الثقيلة والصواريخ.

ثم نطالب جمعيات الاجتماعيين والأطباء والجمعيات النسائية وغيرها أن تسارع إلى فحص هؤلاء نفسياً، لأنه من المتوقع أن يصاب عدد منهم بعقدة الحريم، فيصير كارهاً للجنس اللطيف الذي كان السبب في خراب بيوتهم وتفنيشهم وتهديد مصدر رزقهم، فينقلب هؤلاء على زوجاتهم وكل جنس ناعم معتبرينهن ألد الأعداء وأخطر الشرور، فترى الواحد منهم يهرب مسافة يومين كلما رأى أو لمح طيف امرأة يحاول أن يشاغله.

وبعد نزع فتيل أو بوادر مثل هذه العقدة النفسية، يمكن لصندوق تكافل التربية ولهيئات البر والخير، إعادة تأهيل هؤلاء للحياة المدنية، كل حسب اختياره، فتساعد من يريد أن يفتح مطعم فلافل بمنحه القروض اللازمة، ومن يريد أن يعمل نجاراً بإلحاقه بدورة تدريب مكثفة، ومن يريد أن يصبح خضرجياً أو فكهانياً بتعليمه أسماء الخضر والفواكه وأنواعها وكيفية حفظها ولفها للزبائن، من غير النساء بالطبع.

ونترك هذه الغشمرة التي ليس عندنا غيرها لجبر خواطر هؤلاء المكسورة، إلى ولي أمر تلميذ سألني أمس عن معنى التأنيث، وبدا لي أن ولي الأمر هذا هو من بين الــ 90٪ من أولياء الأمور الذين لا يعرفون شيئاً عن المدارس والتربية ولا حتى عن أبنائهم، كما أشار إلى ذلك خليفة بخيت وكيل التربية.

قلت للسائل إن معنى التأنيث هو أن كافة فصول المرحلة الابتدائية سيصبح معلموها من البنات والجنس اللطيف، فعاد يسأل: كيف؟ ولما شرحت له أن ابني وابنك وأبناء غيرنا، سوف يتصبحون في النهار بوجوه جميلة وأصوات ناعمة ورقيقة بدلاً من الوجوه الكالحة المالحة ذات الشنبات والأصوات الخشنة للمعلمين الذين لا يكفي الواحد منهم كل هذه المواصفات القياسية للرجولة، بل يزيد عليها بالعصا التي تلعب في يديه وهو يدخل على التلاميذ الصغار فيجعل بعضهم يعملها تحته من الرعب النووي. سكت لحظة ثم قال:

  • الآن فهمت التأنيث، ولكن هل تعتقد أن المدرسات البنات الحشومات سوف يقدرن على تحمل رذالات وعنتريات أولادنا، الذين سيلاعبونهن توم آند جيري وعريس وعروسة، مثل الأفلام التي يشاهدونها ليل نهار بالفيديو والتلفزيون؟ وبما أنني قررت أن أطول بالي فقد شرحت للسائل، إن العكس هو الذي سيحدث، إذ إن على أيدي هؤلاء المدرسات، اللائي تقوم الواحدة منهن مقام الأم، سوف يهدأ أولادنا وترق مشاعرهم وسوف يصبحون مؤدبين ومطيعين أكثر، وسوف يستوعبون الدروس ويذاكرونها طواعية لا عن كره وخوف، أملاً والله أعلم في كسب ود المدرسة الحنونة، وبذلك سيتقدمون في العلوم والدرس.
  • وهنا وجدت صاحبي ينفجر غاضباً وهو يزمجر على السماعة: لا بارك الله في التأنيث وسالفة التأنيث إذا كان هذا هو المقصود، عيالنا بيطلعون بنات، ولا استبعد أن الواحد منهم سيعود من المدرسة يوماً وهو خبير في تصفيف الشعر وخياطة الفساتين وطبخ البرياني والخبيص، خوش تعليم هذا؟

وأغلق السماعة دون أن يترك لي فرصة للرد أو التعليق.

من كتاب (النظام العالمي الضاحك)، إصدارات البيان، 1998.

()