عبد الحميد أحمد

الزنزانات وحدها لا تكفي

قرأنا أمس أن مواطناً اقتاد ابنه إلى مركز الشرطة، وقام بتسليمه إلى رجال الأمن بنفسه، بعد أن عجز عن إصلاح ولده وردعه عن تعاطي وشم الغراء. وهذه ثاني أو ثالث حالة نسمع بها علناً يسلم فيها الأب ولده المنحرف إلى الشرطة، وهو سلوك يستحق التشجيع، لكي ننقذ هؤلاء الصغار، من عبث أنفسهم أولاً، ثم من قبضة المخدرات ثانياً، ومن شباك تجار السموم ومروجيه ثالثاً، حيث إن الإدمان يبدأ بخطوة خطوة، من الغراء والسيجارة وأصدقاء السوء إلى الحشيش والكحول، انزلاقاً إلى الموت البطيء والأخطر، مع البودرة البيضاء والحقن القاتلة، التي أصبحت اليوم، إن لم تقتل بموادها المخدرة الفتاكة، فإنها تقتل بالإيدز. ثم إن ما نسمعه هذه الأيام عن انحراف مجموعة كبيرة من شبابنا في طريق المخدرات الأخطر فتكاً يثير القشعريرة في البدن، فمن منا يمكن أن يصدق لحظة أن عندنا نسبة من هؤلاء تتعاطى الكوكايين والهيروين الذي يجعل الشخص مدمناً من أول شمة، وتعرف وسائل الحصول عليه ولها من أساليب إخفائه عن أعين الأهل والأقارب وحتى رجال الأمن ما لم نسمع به أو نشاهده حتى في الأفلام الأمريكية، ومن منا يمكنه تصديق أن دائرة التعاطي تتسع لتشمل حتى الفتيات وبعض طلبة المدارس الذين ثبت تعاطيهم وتداول الحبوب المخدرة فيما بينهم، ومع ذلك، ما زلنا نضع رؤوسنا في الرمال ونتغاضى عن حجم هذه المأساة، ولا نكشف إلا عن النزر اليسير منها، أو في حالة اصطياد المدمن ووقوعه في قبضة الشرطة؟

وقد سمعت حكايات عن هؤلاء ما يكفي فعلاً لفتح الملف عن آخره ومواجهة هذه القضية بشجاعة وصراحة، وبلا لف ولا إخفاء ولا تستر، لأن التستر إنما يعني استمرار الانحراف والتشجيع عليه، ويكفي أن نعرف مثلاً أن بعض هؤلاء الشباب الذين سقطوا ضحية الإدمان، طاردوا آباءهم بسكاكين المطابخ وهددوا أمهاتهم بالقتل، إن لم يدفعوا لهم ثمن البودرة أو الحقنة، أو ثمن سفرهم للخارج لكي ينالوا حرية التعاطي بلا رقيب.

ونعود إلى سلوك الأب الذي سلم ابنه للشرطة، لنشجع مثل هذا الفعل الذي ينم عن مسؤولية ووعي وعن ثقة في الشرطة أيضاً، غير أن السؤال الذي يقفز إلى الذهن هو: ما الذي يمكن أن تفعله الشرطة غير حجز هذا المتعاطي وحبسه، ثم إن بعض هؤلاء ممن سبق وألقي القبض عليهم، سرعان ما أخرجوا من الحجز وهم أكثر تمرداً وتحدياً للشرطة وللمجتمع وأكثر رغبة وشراسة في تدمير أنفسهم وفي تدمير غيرهم أيضاً.

وما نقوله يطرح الدور الذي يمكن أن تلعبه أجهزة المكافحة عندنا، لا بصفتها الجهة التي تبحث عن المجرمين والمروجين والمهربين والمتعاطين واستجوابهم للكشف عن شبكة المخدرات ومنافذها وقادة عصاباتها وتجارها، وهو ما تقوم به حالياً، حتى مع المتعاطين المنحرفين من شبابنا، وإنما بصفتها الإصلاحية أيضاً، إذ لا يكفي أن يتلقى الشاب المدمن صفعات وركلات لكي يعترف بأصدقائه وعدداً من الإهانات والإذلال لكي نمسك من وراء أقواله بطرف خيط، ثم نطلق سراحه ونستمر في مطاردته فيما هو يعود متمرداً رداً على هذه الإهانات التي تلقاها ولتلك الصفعات، فندور معه في حلقة مفرغة، لأن التعامل مع مثل هؤلاء الشباب قام أساساً بصفتهم مجرمين، لا كشباب خاطئين ويحتاجون إلى المساعدة والعطف. ولا نريد من مثل هذا الكلام إدانة أحد، إنما نسعى لمواجهة المشكلة بعقل متفتح يقبل الحقيقة وإن كانت قاسية، لذا نرى أن أول سبيل للأخذ بيد هؤلاء ومساعدتهم على العودة إلى الصواب وتخلصهم من براثن الإدمان، لا يكون بالحبس والإرغام على الإدلاء بالمعلومات، وإنما بحثهم وتشجيعهم على العلاج، في جو عاطفي وودي وأسري، تتكامل فيه جهود الشرطة مع جهود الأهل والأقارب ومعهم بالطبع جهود الأطباء النفسانيين والأخصائيين الاجتماعيين. لذا يحق لنا أن نسأل: أين هي مصحات وعيادات معالجة هؤلاء وإعادتهم إلى الحياة الطبيعية؟ إن الزنزانات وحدها لا تكفي.

من كتاب (النظام العالمي الضاحك)، إصدارات البيان، 1998.

()