عبد الحميد أحمد

متى نقول: آسف

شاهدنا مؤخراً الجنرال سوشيندا، الذي حكم تايلاند لمدة 48 يوماً فقط، على شاشة التلفزيون وهو يطلب من شعبه العفو، ويقول لهم سامحوني عن أعمال العنف والاضطرابات، ثم يعلن استقالته، كما أنه زار بعد ذلك أكبر زعيم ديني بوذي في البلاد، وركع أمامه لمدة 15 دقيقة طالباً منه الصفح والمعذرة على ما اقترفته يداه في حق الشعب، الذي ثار ضده لأنه لم يتم انتخابه بشكل ديمقراطي من قبل البرلمان. وقبل يومين اعتذر زعيم آخر لشعبه، هو الرئيس البرازيلي كولور دي ميلو، ومثل سوشيندا طلع هذا على التلفزيون طالباً من البرازيليين العفو والمسامحة على الإرباكات التي أحدثتها الاتهامات التي وجهها له شقيقه بالفساد وعدم نظافة اليد، بما في ذلك تهمة تعاطي المخدرات.

ومع أن الرئيس البرازيلي لم يقدم استقالته بعد لكنه وعد بتشكيل لجنة خاصة من البرلمان للتحقيق في تلك التهم. ولم نتعود أن نرى مسؤولين كباراً أو صغاراً من دول العالم الثالث يتراجعون عن أخطائهم، ويعتذرون لشعوبهم ثم يستقيلون، لأن هذا العالم عودنا على أن المسؤول فيه حاكم بأمر الله، معصوم عن الخطأ، لا يترك كرسي المسؤولية إلا بانقلاب عسكري، أو بثورة دموية يروح لها ضحايا كثيرون تسيل دماؤهم في الشوارع، وهو إن لم يحكم بالدبابة والبوليس السري فإنه يحكم بلعبة الديمقراطية التي تختاره حاكماً في كل انتخابات بنسبة أصوات تصل إلى 99.9٪ هي أصوات العسكر والمنتفعين من حكمه ونتائج الأوراق الانتخابية المزورة.

طبعاً هناك استثناءات قليلة على رأسها التجربة الهندية، غير أن ما رأيناه من اعتذار الجنرال التايلاندي والرئيس البرازيلي نعتبره تطوراً في بعض بلدان العالم الثالث، التي استطاع بعضها، كتايلاند وكوريا الجنوبية وغيرهما، تحقيق تقدم اقتصادي وصناعي كبير في سنوات قياسية، أدت بالضرورة إلى تطور تجربة الديمقراطية فيهما.

أما في أوروبا، والدول المتقدمة صناعياً وحضارياً، فإن اعتذار المسؤولين فيها واستقالاتهم سلوك لم يعد غريباً، حيث إن المسؤول وزيراً كان أم رئيس حكومة أم مدير مصلحة لا يتردد في الاعتذار والاستقالة لأي خطأ بدءاً من مخالفة قانون المرور كالسير بسرعة زائدة أو لاتهام موظف عنده بتقاضي رشوة، وانتهاء باتخاذ قرار يثبت لاحقاً خطأه وتسببه في مشكلات ولو كانت بسيطة.

وهكذا رأينا سابقاً حكومات تسقط ووزراء يستقيلون ومسؤولين يطلبون من الناس العفو عنهم واستعدادهم لتحمل تبعات أخطائهم كما حصل في اليابان في قضايا الفساد المالي والرشاوى وكما حدث في أوروبا في قضايا أخرى سياسية واقتصادية.

عندنا في الوطن العربي لا يستقيل المسؤول ولا يعتذر للناس، لأنه ليس مضطراً إلى ذلك فكلهم يمشون على الشعرة وعلى الصراط المستقيم، ولم يثبت بعد على أحد منهم أي خطأ وأي تهمة وأي فساد أو رشوة أو نهب أو استغلال المسؤولية، وأكبر دليل على ذلك صاحب أم المعارك، الذي لم يرتكب من الأخطاء إلا أقلها شأناً وخطورة، فخسارة عدة عشرات من المليارات في حربين خاسرتين، وقتل العراقيين في الجنوب والشمال وتجويعهم لا تدخل ضمن الأخطاء الفادحة التي تستحق الاعتذار والاستقالة.

ولو طبقنا مفاهيم الاعتذار كما عند الغرب والآن عند بعض دول العالم الثالث التي نتهمها بالتخلف، لما بقي مسؤول في منصبه، وحالنا مثل حال سكان البلد الذين لو طلبنا من كل واحد منهم ألا يسكن في عمارة تسكن فيها رقاصة، لعزلوا كلهم على حد حكيمنا طيب الذكر، عادل إمام.

وإذا كانت كل هذه المصائب العربية التي تنهال فوق رؤوسنا ليست أخطاء لمسؤولين وقادة، فما هي الأخطاء إذن؟ علينا أن نسأل اليابانيين والغربيين والتايلانديين أيضاً، الذين لم يعرفوا الأخطاء كما ينبغي، وتسرع بعضهم فاستقال واعتذر وقال لشعبه: آسف.

من كتاب (النظام العالمي الضاحك)، إصدارات البيان، 1998.

()