عبد الحميد أحمد

أولاد بقر

نتوقع أن تكون الأبقار موضوعاً هاماً على جدول أعمال قمة الأرض التي تبدأ بعد غدٍ في ريو دي جانيرو وتستمر لمدة أسبوعين. وإذا خالفنا التوقع، فإن علينا نحن أبناء العالم الثالث أن نطالب بإدراج هذا الموضوع ضمن أعمال هذه القمة، حيث ثبت أن البقر مسؤول أيضاً عن تلوث الجو، خاصة أبقار العالم الصناعي التي تسلم من انتقاد علماء البيئة وخبراء التلوث.

وسنعود للبقر لاحقاً، ونتحدث الآن عن التقارير اليومية التي تنهال كل صباح فوق رؤوسنا بمناسبة هذه القمة، والتي تنذرنا بالأخطار المحيقة بالأرض وبنا، بسبب تصرفاتنا وسلوكياتنا غير المتحضرة، وكل تقرير يتناول الموضوع من زاوية مختلفة، فمرة غازات المصانع هي البلاء والكارثة، ومرة ثانية غازات البراكين، وأخرى حرق الغابات، ورابعة النفايات النووية، وخامسة عطور النساء ومثبتات شعورهن وصولاً إلى الأبقار والمواشي ومعذرة عن التتابع.

زبدة هذه التقارير أن الأرض يا جماعة صارت زبالة في زبالة، وأن المسؤولية الأولى في ذلك تقع على عاتق البلدان الصناعية، فهي التي تمتلك المصانع والآلات والأعداد الأكبر من السيارات، كما أنها تمتلك المحطات النووية التي تخلف نفايات يتم دفنها في البحار وتحت الأرض، وهي التي تحرق الغابات لاستخدام أخشابها أو لتوسيع بقعة الأراضي الزراعية، ومعنى ذلك، أن الغرب هو الذي يحول الأرض إلى مزبلة، أما دورنا نحن من شعوب العالم الثالث في كرنفال التلوث هذا، فلا يزيد عما يسببه الانفجار السكاني المتزايد من نقص الأوكسجين الذي نشفطه من الجو، وفي رمي الأوراق والمخلفات من البلكونات والبيوت في الشوارع وعلى الشواطئ والحدائق، إضافة إلى زيادة همومنا ومعها زيادة التدخين بالطبع وتعكير الجو بغازات السجائر وأراجيل المقاهي.

ومع أننا أبرياء من تهمة تلويث الأرض وتوسيخها بالغازات السامة المدمرة، إلا أن الغرب الصناعي يحاول إشراكنا في تحمل مسؤولية هذا التلوث، وهذه الدول الصناعية تحاول فرض ضرائب علينا، كما حدث مؤخراً حين طالبت المجموعة الأوروبية بفرض ضريبة الكربون على البترول ومستخدميه نتحمل نحن المنتجين جزءاً منها. ونعود للبقر، حيث أثبت أحد علماء الغرب، أي شاهد من أهلها، هو الفرنسي جان لوبرتو، أن غازاتها ومخلفاتها ترفع كميات غاز الميثان في الجو بمعدل 1.5 في المائة سنوياً، وهذا الغاز يشكل حجاباً يلف الأرض بتراكم معدلاته عبر السنين، مما يؤدي إلى تبرير خطير لحرارة الأرض، والعودة بنا إلى العصر الجليدي، ومع أننا كبشر لا يمكن أن نتصور حياتنا فوق الأرض من غير بقر، إذ لولاه لما شربنا الحليب صغاراً ولما كبرنا، ثم إننا لولاه لما تذوقنا الجبن السويسري المعفن أو الفرنسي الحلو أو حتى الجبن الحلوم ولما تمتعنا بالقشطة الهولندية أو الأيس كريم الأمريكاني. ويمكننا القول إننا أولاد بقر، دون أن نشعر بأية إهانة، خاصة مع تراجع الأمهات عن الرضاعة الطبيعية في العالم الثالث وتعرضهن للجفاف تاركات مسألة تزويدنا بالغذاء الكامل منذ نعومة أظفارنا للبقر الهولندي والسويسري والفرنسي ولغيرها من الأبقار ذوات الضروع العظمى. لهذا فإننا لا نطالب قمة الأرض بإبادة البقر الذي يلوث الجو بغازاته كما تقول تقارير علماء الغرب أنفسهم، حاله في ذلك حال غازات الكربون المنبعثة من البترول ومشتقاته، لكننا بالنظر إلى أبقار الغرب ومقارنتها بأبقار العالم الثالث، حيث الأولى أكثر صحة وعافية لأنها تجد المراعي الخضراء والعناية الفائقة والدلال الزائد، بما في ذلك تنظيم حفلات موسيقية لها وإقامة احتفالات لاختيار ملكات جمال سنوية لأبقارها، فإن هذه الأبقار الغربية السمينة تقذف في الجو يومياً من الغازات الملوثة أضعاف أضعاف ما تقذفه أبقارنا الضامرة والمحرومة من الدلال، لهذا يحق لنا مطالبة قمة الأرض بفرض ضريبة بقر على الدول الصناعية، خاصة الأوروبية، مقابل ضريبة الكربون التي تطالب بها. وبهذا نتساوى في المسؤولية في الحفاظ على البيئة وصيانة الأرض، فالمساواة في الظلم عدالة، لولا أن الغرب الصناعي عودنا أنه على طلاق بالثلاثة مع العدالة.

من كتاب (النظام العالمي الضاحك)، إصدارات البيان، 1998.