عبد الحميد أحمد

الأرض مريضة ولكن

ستتوصل قمة الأرض في آخر المطاف إلى أن العالم النامي هو السبب في تدمير البيئة وخراب الأرض، التي وصفها بطرس غالي في افتتاح القمة بأنها مريضة.

وهذا هو منطق القوة الذي تعودنا عليه من دول الغرب الصناعي التي تتنصل من مسؤولياتها وتلقي باللوم عادة على غيرها من الدول، خاصة الدول الفقيرة والنامية في العالم الثالث، والتي هي تاريخياً ليست إلا من صنع الغرب، ونتيجة لسياساته الاستعمارية والاقتصادية.

ومن البدايات ظهرت التصريحات والبيانات الغربية تشير من طرف مباشر أو غير مباشر إلى مسؤولية دول العالم الثالث والتي هي في المحصلة النهائية الضحية، ويريدها الغرب أن تبقى كذلك، بتحميلها الآن مسؤولية تلوث الأرض ونقص مواردها وتخريب مصادر هذه الموارد.

ويذكر منطق هذه الدول بمنطق أحد الفلاحين في إحدى قرى العالم الثالث، حيث مر على طبيب القرية طالباً منه فحص زوجته عندما يكون ماراً بالقرب من بيتهم، فقال له الطبيب: هل زوجتك مريضة؟ فرد الفلاح ليس تماماً يا دكتور، فسأله الطبيب: إذن ما هي مشكلتها؟

قال الفلاح: يصعب تحديد المشكلة، لكن البارحة نهضت في الساعة الخامسة فجراً كعادتها وحلبت الأبقار وجهزت الإفطار ثم أكملت الغسيل وصنعت من الحليب لبنة وأكملت عمل البيت ثم جهزت الغداء وبعد الظهر طحنت الحبوب وجلبت الماء، وفي المساء أعدت العشاء وجلبت الحطب، وقبل أن تذهب إلى فراشها اشتكت من أنها تعبانة، لذلك أعتقد أنها بحاجة إلى فحص فربما احتاجت إلى دواء مقو.

غير أن الدول الغربية والصناعية المتقدمة، على عكس زوج الفلاحة، تبخل على دول العالم الثالث حتى بالأدوية المقوية لإنعاش اقتصادها وبيئتها ولتعويضها عن تعب القرون وكدح السنين، وها هو اليوم يحملها مسؤولية خراب البيئة وتدميرها.

وفي هذا السياق قرأنا من قال منهم إن العالم النامي هو السبب بكثرة النسل وزيادته، ولم يذكر هؤلاء مثلاً أن الأسعار التي تدفع للمواد الخام القادمة من هذا العالم زهيدة ولا تتناسب مع قيمتها الحقيقية، التي تباع بها بعد تصنيعها وتصديرها إلى كافة أرجاء العالم، بما في ذلك إعادتها إلى دول العالم الثالث نفسه بأسعار مضاعفة.

وإذا رأى الغرب أن زيادة النسل هي السبب في تناقص موارد الأرض وفي تلويث البيئة، لا المصانع وطرق الاستهلاك وسوئه كما يحصل في الغرب هو السبب، فإننا نقترح على هذا الغرب إعطاء قرى ومدن العالم الثالث شيئاً من الطاقة والكهرباء التي عندهم، وفوقها جهاز تلفزيون لكل أسرة، وإنشاء عدد من المسارح وصالات السينما في هذه القرى كما هو موجود في أصغر قرية غربية، لكي يجد إنسان هذه القرى الفقيرة والمحرومة وسائل أخرى للتسلية وفضفضة تعب النهار غير الإنجاب وزيادة النسل.

نعم، الأرض مريضة، غير أن مرضها ليس التلوث ونقص الموارد وتدميرها وتسخين جوها فحسب، بل يزيد على ذلك أمراض أخرى قديمة مستعصية لا تحلها المليارات، هي أمراض الأنانية والغرور والتفرقة والصراع، أمراض خراب الذمم والضمائر البشرية، وأمراض القوة على حساب الضعفاء.

وقمة الأرض، بما أنها حوار بين الأغنياء والفقراء، فقد حكم عليها المراقبون المحايدون بفشلها وموتها حتى قبل، أن تبدأ، ذلك لأن الغني يرفض محاورة الضعيف، قبل أن يخضع له هذا بالمطلق ويقبل بشروطه وباتهاماته أيضاً، حتى لو كان هذا الحوار في ظل النظام العالمي الجديد، الذي لم نعرف جديده بعد، ولن نعرف.

من كتاب (النظام العالمي الضاحك)، إصدارات البيان، 1998.

()