عبد الحميد أحمد

القذافي رئيساً لإيطاليا

حينما كانت إيطاليا تبحث عن رئيس لها خلال الشهر الماضي، وتفشل المرة تلو المرة في التوصل إلى اتفاق على رئيس معين، نتذكر أن الرئيس الليبي معمر القذافي اقترح ترشيح نفسه رئيساً للجمهورية الإيطالية معتمداً في ذلك، على فكرة أنه من أبناء المستعمرات القديمة لإيطاليا، ويحق له بناءً على ذلك، ما يحق للإيطاليين.

طبعاً هذا الاقتراح، لم يخرج عن كونه مزحة ومداعبة من مداعبات القذافي الكثيرة والشهيرة، والتي تناقلتها وكالات الأنباء كخبر طريف يحلي بقية الأخبار السياسية، إلا أن الإيطاليين فاتهم وقتها أخذ المزحة مأخذ الجد، والترحيب بالاقتراح، الذي لو نفذوه لأراحوا أنفسهم من متاعب ومشقة البحث عن رئيس لمدة لا تقل عن عشرين عاماً على الأقل. غير أن الطليان يبدو أنهم حسبوها بطريقة صحيحة هذه المرة، لم يكترثوا بالاقتراح، خاصة أن ليبيا موضوعة على المقاطعة، وهم في غنى عن أية مشكلات جديدة يجلبها لهم رئيسهم المقترح الجديد، ثم إنهم لو وافقوا لوجدوا أنفسهم في غضون شهور قليلة تحت رحمة اللجان الشعبية، وشعاراتها وسطوتها، من بعد المافيا ونشاطها السري الذي دوخ الحكومة والشعب الإيطالي معاً. وبعيداً عما يجري في ليبيا هذه الأيام من حوارات ونقاشات غريبة ومثيرة للجدل والخلاف، حول زعامة القذافي واللجان الشعبية ودورها، وحول العروبة والعرب، والإسلام والمسلمين نقول إن في الإيطاليين نفحة من طرافة الليبيين وطلعاتهم السياسية العجيبة الخارجة عن المألوف، ما يعطيهم الحق في الحصول على عضوية الشرف في اللجان الشعبية الليبية والمؤتمر الشعبي العام، خاصة وأن هذه اللجان أوكلت لها مهمة البحث عن مخرج من أزمة لوكيربي حتى لو كان هذا بالخروج نهائياً عن العروبة والعرب والانقلاب عليهم.

ففي أوائل هذا الشهر استنجدت جزر تريميتي الإيطالية بالقذافي وطالبت بالانضمام إلى ليبيا، وفي رسالة أعدها رئيس بلدية الجزر التي تقع في بحر الأدرياتيك، طلب أن تقوم الجماهيرية الليبية بضم أراضي الجزر الأربعة إلى أراضيها، لأن الجزر على حافة الانهيار الاقتصادي الكامل لإهمال إيطاليا لها.

أما السبب، فإن هذه الجزر التي يعيش فيها 319 شخصاً، يرتفع عدد سكانها في الصيف إلى 13 ألفاً مع قدوم السياح إليها، وهؤلاء يخلفون وراءهم أزمة عويصة تتمثل في نفاياتهم التي تصل إلى 250 طناً ولا تتحمل ميزانية البلدية نفقات تصريفها والبالغة 600 ألف دولار، أي أكثر بكثير مما رصدته الجهات الحكومية لهذه البلدية. ويقول رئيس البلدية عن اختياره الانضمام للقذافي إنه الشخص الوحيد الذي تذكرهم، فيما الحكومة الإيطالية لا تعيرهم أي اهتمام، ويقول إن بإمكان القذافي أن يطالب بأراضي هذه الجزر، لأن كثيراً من الليبيين تم نفيهم إليها في السنوات ما بين 1910 و1915، ويقول إن أوضاع الجزر ستكون أفضل تحت الحكم الليبي، ثم إن سكان الجزر يعيشون منذ عقود في وضع العقوبات من دون أن يكونوا متهمين في أي حادث تفجير.

ولن نناقش رئيس بلدية هذه الجزر الأربعة فيما قاله، خاصة فيما يتعلق بأوضاع الجزر لو كانت تحت الحكم الليبي، لأن عليه أن يجرب ذلك بنفسه قبل أن يستبشر خيراً ويتفاءل إلى هذا المقدار غير أن ما نخشاه، وفي ظل ما يجري حالياً في ليبيا، هو أن يسمع أعضاء اللجان الشعبية كلام رئيس بلدية هذه الجزر، وأن يزاودوا عليه بالادعاء أن الليبيين من أصل إيطالي، فيطالبون القذافي بالانضمام فوراً في وحدة اندماجية سريعة مع إيطاليا الأم، وتعميم اللغة الطليانية في ليبيا، تمهيداً للدخول إلى الوحدة الأوروبية، بعد أن كفروا بالوحدة العربية، التي صارت مثل قميص عثمان نعلق عليه أخطاءنا وهي في براءة الذئب من دم ابن يعقوب.

ولا شك أن النظام الليبي سيجد مخرجاً بمثل هذا الاقتراح – لو قام بتنفيذه – من أزمة لوكيربي، ولن تطالب حينئذ أمريكا أو فرنسا بتسليم المتهمين بالتورط في الحادث لأنهما وبقدرة قادر أصبحوا أبناء عمومة، كما سيوفر ذلك على اللجان الشعبية مهمة اتخاذ القرار الذي يبدو أنه صعب للغاية حتى الآن.

… وعشنا رجباً ورأينا عجباً.

من كتاب (النظام العالمي الضاحك)، إصدارات البيان، 1998.

()