عبد الحميد أحمد

نساء آخر موديل (((المقال مكرر في ص 40)))

يحمل عام القرد الصيني الذي يبدأ اليوم بشارة الزواج لكل من تبحث عن نصفها الخشن، وقد نصح العرافون الصينيون أمس النساء غير المرتبطات بالبدء في العثور على بعولة لهن، على اعتبار أن عام القرد سيكون مواتياً لإتمام نصف عقولهن، مع أن الزواج ثبت أنه يطير النصف الأول من عقول الحريم، ويتركهن بلا عقل ولا دماغ. لكنني اليوم، أنصح النساء العاقلات منهن فحسب، بعدم سماع أقوال العرافين، حتى لا يتحولن إلى قرود مضحكة خاصة أن العرافين رجال، وهؤلاء يسعون باستمرار إلى الضحك عليهن، حتى لم يبق أحد في الدنيا، إلا واقتحم عالمهن السحري، سواء بنصائح واستشارات، أم بابتكارات واختراعات، تبدأ من قمة الرأس، أي من الشعر، وتنتهي بأخمص القدمين، مروراً بالجسم كله.

وهكذا، كانت الباروكة وكانت الرموش الاصطناعية، وهكذا صنعت المساحيق الزرقاء والخضراء والحمراء للجفون والأصباغ البرونزية والذهبية، والصفراء وغيرها للشعر والعدسات اللاصقة بكل الألوان للعيون، ولم يبق جزء من جسمها، إلا وله مئة سلعة مصنوعة وقطع غيار وزيوت ودهون، وأقيمت الورش والكراجات للنساء، سموها صالونات ومعاهد تجميل وتخسيس، حتى صارت المرأة سيارة، فهذه بدينة ممتلئة، باللباس المنفوش على الأكتاف والأرداف، وليس باللحم، وكأنها المرسيدس الموديل الجديد، وتلك ناحلة ممشوقة لشدة التصاق الثياب بها وكأنها هوندا سيفيك، وثالثة فستانها أقل من متر، يبدأ من فوق الصدر مباشرة إلى ما فوق الركبتين مثل البي. إم السبور الكشف، ورابعة بجينز غليظ وقميص كأنه خيشة، وهذه هي اللاندروفر التي لا يؤثر فيها الطقس، ناهيك بالطبع عن موديلات الشعر والعيون والأحذية والأحزمة والجزادين والحقائب، حتى تصورت أن يوماً سيأتي نجد فيه محلات تسمى «كل شيء للسيدات» على غرار محلات «كل شيء للسيارات».

وإذا اعتقد بعض القراء، خاصة القارئات، أننا بالغنا وذهبنا بعيداً في هذا الكلام، فنرجو منهم ومنهن عدم الاستعجال، فهذا بيتر براون، وهو ميكانيكي سيارات متقاعد، صمم مشداً جديداً للنساء يساعد على تكبير الصدر، من خلال كيس من البلاستيك فيه نصف ليتر من الماء، يثبت في قماش المشد، ويقول براون عن اختراعه إنه إذا قام شخص بغرس دبوس فيه أو إذا وقع حادث فإن الضرر الذي تتعرض له من ترتديه هو أن تتبلل ثيابها، لا غير.

ولو لم يكن هذا الميكانيكي يعرف أن المرأة المودرن، تحولت إلى سيارة، لما فكر لحظة في اختراع قطع غيار لصدرها، ثم إنه يعرف، حاله حال كل المخترعين ورجال الأعمال والصناعة، أن أي بضاعة تنتج للنساء يكتب لها النجاح، وتدر أموالاً، بسرعة انتشارها وبسرعة إقبال النساء عليها.

وقد تصورت أمس، وأنا أقرأ خبر هذا الميكانيكي الذكي، أن يتبعه في الصنعة آخرون، فمثلاً، لكي تتلافى النساء زحمة الأسواق والاصطدام بالحشرية والمزعجين، يخترع أحدهم لهن دعاميات أمامية وخلفية، خاصة أنهن سريعات الكسر، ولأنهن يلتفتن في السوق كثيراً ويغيرن اتجاه سيرهن بشكل مفاجئ كلما لاح لهن محل جديد أو بضاعة جديدة، يبتكر غيره إشارات برتقالية تركب على رؤوسهن، أو أي مكان آخر لا فرق، لاستخدامها عند الانعطاف يميناً أو شمالاً، ثم يخترع لهن واحد ثالث أحذية لها عجلات تستطيع عن طريقها المرأة أن تلف الأسواق كلها دون أن تتعب، ثم لا بأس براديتور ونظام تبريد يخفف من حرارة النساء لكي لا يعطب موتورهن، وهكذا. وبما أننا نعيش زمان القرود والحيوانات والعجائب، فكل شيء وارد، خاصة إذا استمرت النساء في كل العالم في الجري وراء ما يلزمهن حقاً، وما لا يلزمهن، وعندها، سيفتش الرجل منا عن واحدة آدمية ليتزوجها، فلا يجد أمامه إلا مركبات أنثوية تعمل بالديزل والبنزين والكهرباء وزيوت التشحيم والذي منه اللي يعرفه كل معلمي الكراجات.

وعلينا نحن الرجال بحزام الأمان ليقينا نتائج الصدم والدهس والدعس، اللهم اكفنا مما هو آت في عام القرد هذا، حتى لو كان في عيون الصينيين غزال.
من كتاب (النظام العالمي الضاحك)، إصدارات البيان، 1998.