عبد الحميد أحمد

أول يوم مدرسة

ربما تقول صحافتنا اليوم، وهي تصف بدء العام الدراسي الجديد، إن الابتسامات ارتسمت على وجوه الطلبة، وإن هؤلاء كانت الأرض لا تحملهم من الفرحة وهم يدخلون أمس صفوفهم بعد إجازتهم الصيفية، فيما الواقع أن طلبتنا، خاصة الكبار منهم في المرحلتين الإعدادية والثانوية، ذهبوا إلى اليوم الدراسي الأول وهم مكشرين وعابسين وضاربين بوز، وكأنهم مساجين محمولين إلى زنزانات.

والعيب طبعاً، ليس في المدارس، وإنما في هؤلاء الطلبة، الذين صار بعضهم يفضل الجلوس ساعات على طاولة بمقهى من مقاهي الأرصفة أو المراكز التجارية، أو التجول بالسيارة المحجبة، أو التباهي بالأنيس في الأسواق، أو مشاهدة فيلم فيديو، خاصة إذا كان من النوع المهرب في شنط العائدين من إجازاتهم من عواصم العالم المختلفة. ومع أن وزارة التربية ومعها وزارة الأشغال العامة. لم تقصرا هذا العام، إذ إن أعمال صيانة المباني المدرسية كانت تجري على الأرض واقعاً وحقيقة، استعداداً لاستقبال هؤلاء الطلبة، في صفوف وساحات ومبانٍ نظيفة ولامعة وحلوة تجلب المسرة، إلا أن الطلبة ونفسياتهم تجاه المدارس ظلت على ما هي عليه، الأمر الذي نقترح معه على وزارة التربية أن تعجل بإجراء عمليات صيانة موازية لهذه النفسيات لانتزاع مشاعر الكره من الطلبة تجاه المدارس وتجاه التعليم والوزارة أدرى بكيفية القيام بهذه المهمة.

وشاهدنا، ضمن ما شاهدنا هذا العام من عملية صيانة المدارس، أن العمال انهمكوا في بعض المدارس الثانوية، على رفع أسوار هذه المدارس طابوقتين وأكثر أحياناً، وطبعاً عملية رفع هذه الأسوار، ليست من باب الصيانة وحدها، وإنما من باب تشديد الحراسة، وتصعيب مهمة الطلبة الذين درجوا على التسلل منها إلى الخارج خلال الدوام المدرسي.

غير أن ما نخشاه هو أن الطلبة الذين يجدون في المدارس سجوناً، وفي الصفوف زنزانات، وفي المدرس عدواً وفي الناظر حارساً للسجن، وفي الكتاب المدرسي مللاً وزهقاً، لن يطول بهم الوقت لكي يكتشفوا من الأساليب ما يساعدهم على الفرار والتسلل والهروب، حتى لو صار ارتفاع سور المدارس مثل ارتفاع سور الصين العظيم، ولهم في ذلك حصيلة من التجارب المتراكمة عبر السنوات، يغذيها خيال يستمدونه من شقاوتهم ومن فهلوة بعضهم، ومن الأفلام البوليسية طبعاً وأفلام أرنولد شوارزينجر وسيلفستر ستالون وغيرهم، وحتى من الرسوم المتحركة التي تعلم المشاغبة وقلة الأدب، وتتبرع محطاتنا التلفزيونية بعرضها كل يوم.

ولن نقترح على التربية لمعالجة مثل هذا الوضع الأساليب التي يحبها ويتمناها هؤلاء الطلبة، كإقامة مقاهي كابتشينو ونسكافيه وربما شيشة في المدارس بدلاً من كافتيريا الفول والفلافل والبيبسي، وتحويل ملاعب الكرة والرياضة بالمدارس إلى مضامير وميادين لسباقات الجي تي والزد اكس والترانسوم والسفاري والباترول أو استبدال غرف الرسم والموسيقى بصالات ألعاب فليبرز واليكترونيات وأنيس وطواش وبليب، ولن نضيف إلى هذه المقترحات تصورات أخرى ستسعد طلبة ها اليومين، كاستبدال المدرس بمعلمات آخر موضة رشيقات تنحصر مؤهلاتهن العلمية والعملية في الميني والميكروجيب واللواتي يشاهد هؤلاء الطلبة أمثالهن في المراكز التجارية وهم يرتشفون الاسبرسو في مقاهيها.

وبما أن تلك المقترحات العصرية، التي بإمكانها وحدها أن تحبب طلبتنا المغاوير في مدارسهم وفي تحصيلهم العلمي، إلى الدرجة التي تجعل بعضهم يضع سريراً في المدرسة وينام فيها ولا يغادرها أبداً، مقترحات غير تربوية، فإن على الوزارة مهمة البحث عن مقترحات وأساليب جديدة تستطيع عبرها جذب هؤلاء إلى مدارسهم وهم ضاحكين سعداء، لا مكشرين وعابسين والعياذ بالله.

من كتاب (النظام العالمي الضاحك)، إصدارات البيان، 1998.

()