عبد الحميد أحمد

صحوة وطنية

دعانا بنك الاتحاد الوطني مؤخراً في إعلان ملون مدفوع الثمن طبعاً، نشر في الصفحات الأولى من صحفنا، دعانا إلى حماية البيئة من التلوث، وقال لنا لا تلوثوا مياه الخليج، حافظوا على نظافة البيئة، لحماية الدرفيل (الدولفين) صديق الإنسان في البحر من الانقراض، ثم ختم إعلانه الحلو ذا التصميم الأحلى بجملة أحلى: «مناشدة للصالح العام من بنك يرعاك».

ونحن نتمنى طبعاً من كل بنوكنا الوطنية أن ترعانا وتحمينا مثل الدغس (الدولفين) لأننا نستحق الرعاية والعطف أيضاً وذلك بمنحنا قروضاً طويلة الأجل بدون فوائد، وبناء مساكن لنا وشراء سيارات وحتى تزويجنا (وهذا الكلام يفرح الخريجين الشباب أكثر منا) بتقديم منح لنا ومساعدات، وإذا كانت البنوك ستكمل معروفها وجميلها، فلا مانع عندنا من تأثيث بيوتنا، وتزويد كل بيت بخدامة يدفع تذاكر سفرها ومصاريفها وراتبها البنك، ثم يا ليتها، تمنحنا كل صيف تذاكر سفر إلى بومباي والقاهرة ولندن لكي تجنبنا حشرة وصدعة أم العيال، وسلفة الصيف طبعاً. نقول هذا الكلام المازح، لأننا نعتقد، خاصة فئة الموظفين، الذين لهم في كل بنك حصة معتبرة من الديون والقروض والسلف، تكون فوائدها جزءاً كبيراً من أرباح البنوك السنوية، أننا نستحق الرحمة أكثر من الدرافيل، ولأننا في سبيلنا للانقراض قبل هذه الدرافيل، ولن نذكر بعض هؤلاء بفلوسهم وتحويشة عمرهم في بنك الاعتماد، التي طارت في الهواء، لكي لا نزيدهم غماً على غم، ونكبة على ما هم، فيه.

ونترك الغشمرة إلى الجد، فنقول إننا رغم ذلك نحيي بنك الاتحاد الوطني على إعلانه هذا، فهذه أول مرة لا يعلن بنك وطني عن تسهيلات في القروض والديون، من نوع سلفة العمر، وسلفة الصديق وقت الضيق، وسلفة أحلام السيارة، وغير ذلك من الإعلانات التي تكون مصيدة للناس، عندما تطير سكرة القرض، وتبدأ فكرة الأقساط الشهرية، التي تقصف الراتب قصفاً، لا يزيد عليه إلا القصف الصربي للبوسنة، واسألوا عن آثار هذا القصف جيوب الموظفين وكافة المستدينين، عند نزول الراتب إلى البنك. وعلى هذه الصحوة الوطنية لبنوكنا، نتمنى أن نرى قريباً إعلانات على شاكلة إعلان بنك الاتحاد، تقدم خدمات للمجتمع غير خدمات الهلب واللهف، فهذا بنك يدعو المواطنين فوراً إلى التقدم للحصول على وظائف برواتب مجزية أفضل من الوزارات، وذلكم يقرر إنشاء حديقة عامة في إحدى قرانا النائية للأطفال وللأسر من جزء من أرباحه السنوية، وثالث يقرر تمويل ودعم جمعيات النفع العام، ورابع يقرر إقامة مدرسة ومركز لتدريب المعاقين أو لمعالجة المدمنين… وهكذا.

غير أن الذي يجري، هو أن بنوكنا، التي تطلعنا كل آخر عام على أرباحها الملايينية وعلى النسب التي ستوزعها على المساهمين، وتثير الحسد في نفوس الطفشانين والطفرانين لم تفكر مرة واحدة، في تخصيص جزء بسيط من أرباحها الكبيرة لخدمة الديون أو تخفيض الفوائد عليهم. وحتى توظيف المواطنين عند البنوك، لا يزال شعاراً غير معمول به، رغم مناشدة المصرف المركزي لهذه البنوك لتوطينها وإذا كان بنك قام بذلك، فعلى نطاق محدود، لكي يخرج من دائرة الاتهام، فيما الوظائف التي قدمها لبعض المواطنين لم تزد عن وظائف محجوزة سلفاً للأقارب والجيران والمعارف والخلان. وفي العام الماضي كتبنا عن الشركات الأجنبية، ومنها مؤسسات خدمات ثقافية أو اجتماعية أو خيرية لا حدود لها، وهو ما نعتقد أن بنوكنا الوطنية قادرة عليه لو أرادت. ونعود إلى البداية، وبما أن بنك الاتحاد الوطني، تهمه البيئة والدرافيل إلى هذا الحد، فندعوه إلى دعم وتمويل نشاطات جمعية أصدقاء البيئة التي بدأت تنشط هذه الأيام، لكي يكون قدوة لغيره ولكي يستحق شكر الجميع، غير أن ما أخشاه شخصياً، هو أن يغار بنك آخر من إعلان بنك الاتحاد، فيحجز في الصحف صفحات بكاملها، مناشداً الصيادين الآسيويين حماية «العومة» وبيض «الحمس» من الانقراض، بالامتناع عن صيدها، بعد أن انهد حيل وزارة الزراعة وهي تناشد هؤلاء دون أن يسمعها أحد!
من كتاب (النظام العالمي الضاحك)، إصدارات البيان، 1998.