عبد الحميد أحمد

الملح لا يقول إنه مالح

لابد أن العالم ينتظر لحين أن يفنى آخر صومالي، من الذين يشاهد موتهم كل يوم على شاشات التلفزيون، وبحيث لا يتبقى منهم، سوى إيمان، بشارة، ورمز النظام العالمي الجديد، لكي يعلن أن ثمة فضيحة أزكمت الأنوف.

وإيمان هذه، عارضة الأزياء العالمية الشهيرة، صومالية الأصل، ذات الجمال الأسمر والقوام الرشيق، لا يمكن مقارنتها بأي حال، بصور البشر التي تقذف بها الوكالات كل يوم، والذين لو لم نكن نعرف أنهم بشر مثلنا وضحايا لبشر مثلنا، لقلنا إنهم كائنات من مملكة أخرى.

وكانت إيمان، قد تصدرت أخبار الفن وأغلفة مجلات الأزياء والمنوعات، في مقتبل هذا الصيف، حين تزوجت من المغني الإنجليزي الشهير الأشقر دافيد بوي، في الوقت الذي بدأت فيه نتائج الحرب الأهلية في الصومال تنبعث روائحها الكريهة، على شكل موت مجاني للصوماليين.

ولا لوم على إيمان، بنت الصومال، التي اختارت لحياتها طريقاً بعيداً عن وطنها، ولكن ربما كان اللوم الأكبر على النظام الصومالي وعلى القادة الصوماليين، الذين يتحاربون، دون أن نعرف على ماذا يتحاربون.

ومؤخراً ذهب محرر وكالة عالمية إلى الصومال، لتغطية أخبار المجاعة وحملات الإغاثة التي تقوم بها الأمم المتحدة، ودول أخرى كالولايات المتحدة وبريطانيا والسعودية والإمارات، غير أن قادة صوماليين أصروا على اصطحابه إلى معسكر لهم لمقابلة أحد زعمائهم، دون أن يكون راغباً في ذلك، وفي المعسكر فوجئ حين دعي إلى الغداء بأكوام اللحم والأرز، وكتب يقول: لو أن هذه الكميات وزعت على الصوماليين في الملاجئ لأمكنها من إنقاذ حياة عدة مئات منهم من الموت جوعاً.

ومؤخراً، أيضاً، ذهب صحافي عربي في بريطانيا لمقابلة مسؤول صومالي، قال إنه وزير الخارجية، ففوجئ الصحافي بهذا المسؤول يقيم في فندق خمسة نجوم غرب لندن وفي أرقى الأحياء، تكفي تكاليف الإقامة فيه لليلة واحدة لإطعام ما يزيد على ألف جائع، ثم رأى الوزير محاطاً بحاشية من بينهم سكرتيرة حسناء، أنيقة الملبس.

والأغرب أن هذا الوزير قدم نفسه على أساس أنه يمثل طرفي النزاع كلا من الرئيس المؤقت علي مهدي محمد والجنرال محمد فارح عيديد، فيما المعروف أن لكل من هذين جبهته وقادته ووزراءه وحاشيته وقبيلته أو قبائله، وكل يدعي الأحقية في حكم الصومال، الذي صار عملياً ممزقاً ومنهاراً وشبح بلاد، وموطناً للموت والأحزان، وفضيحة إنسانية وسياسية بكل المقاييس!

غير أن الصومال ليس فضيحة للنظام السابق بقيادة سياد بري وحده، ولا للقادة المتحاربين حالياً فحسب الذين تحول بعضهم إلى لصوص وقطاع طرق يغيرون على حملات الإغاثة لسلبها ونهبها، بل هو فضيحة للأمم المتحدة، العاجزة عن التدخل لوقف قطار الموت السريع فيه، فيما هي ترفع شعارات النظام العالمي الجديد، الخالي من الحروب والمجاعات والمعارك والدماء.

ثم إنه فضيحة الفضائح، من التي يسمونها فضيحة بجلاجل، لجامعتنا العربية، التي مازالت تكتفي بإصدار البيانات والمناشدات للصوماليين تدعوهم إلى المصالحة، دون أن نسمع منها حتى الآن قراراً عربياً بالتدخل، ولو لم يكن عسكرياً، لإطعام الجوعى وإنقاذ أرواحهم كون الصومال دولة عضواً في الجامعة، وكون الصوماليين عرباً ومسلمين، في الوقت الذي بدأت فيه دول أجنبية، مثل بريطانيا تعد العدة لاستضافة مؤتمر حول الصومال ينهي القتال ويضع حداً لمآسي هذا البلد.

ونصل إلى قمة الفضائح حول الصومال، وهو قرار قمة عدم الانحياز التي انعقدت مؤخراً في جاكرتا وقررت تقديم تبرعات للصومال قيمتها 125 مليون دولار!

ولن نسأل عن معنى هذا التبرع الذي ربما يكون كافياً لتوفير الأكفان ومصاريف حفر القبور وغسل الموتى من الصوماليين لكي يتم الإسراع بدفنهم، فلا تنزعج ضمائر، خاصة التي تلهث لكي تكون عضواً في نادي النظام الدولي الجديد.

وإذا لم تكن كل هذه فضائح فما هي الفضيحة إذن؟ وصدق الأفارقة إذ يقولون الملح لا يقول عن نفسه بأنه مالح.
من كتاب (النظام العالمي الضاحك)، إصدارات البيان، 1998.