عبد الحميد أحمد

خمس عضات وعشر لسعات

أقامت سويسراً مؤخراً مراكز وبيوتاً لإيواء الزوجات المضروبات، بعد أن شاعت هناك ظاهرة ضرب الأزواج لزوجاتهم، وإعطائهن علقات ساخنة عند الغضب عليهن وسرعان ما امتلأت هذه المراكز بالزوجات المجني عليهن حتى لم يعد هناك مكان فيها لإيواء المزيد منهن. وأتصور أن أمام السلطات السويسرية طريقاً من اثنين لحل هذه المشكلة: إما بناء وإقامة المزيد من هذه المراكز لاستيعاب الأعداد المتزايدة من الزوجات المضروبات، وإما التخلي نهائياً عن فكرة حمايتهن وإيوائهن، ومن ثم تركهن يواجهن مصيرهن وذلك عن طريق تربية عضلاتهن وتعلم الكاراتيه والمصارعة لكي يرددن الصاع صاعين، وثلاثة أكف وأربع لكمات وخمس عضات وست صفعات وعدداً آخر محترماً من القرصات، كل واحدة منها تساوي عشر لسعات من أي دبور أو نحلة.

وشخصياً أميل إلى الاعتقاد أن السلطات السويسرية ستأخذ بالحل الثاني، لأن الحل الأول ليس عملياً ولا يمكنه إلا زيادة أعداد هؤلاء الزوجات المضروبات، إذ إن كل زوج سيجد الفرصة المناسبة للتخلص من زوجته في إعطائها كفاً أو علقة حتى من دون سبب، لكي تحمل قشها وثيابها وتلجأ إلى هذه المراكز، فيتخلص من صدعتها أولاً، ولكي تأكل على حساب الدولة، لا على حسابه، ثانياً.

ونترك السويسريين في حالهم، لنحذر من أنه عما قريب سنشهد عندنا وجود مراكز مماثلة، تقيمها مراكز الشرطة وربما البلديات، لكن لإيواء الأزواج المضروبين هذه المرة، والمطرودين من بيوتهم، بالمقشات والملابس والصحون الطائرة.

أما السبب، فإن بعض هؤلاء بدأ يفكر جدياً في تجديد حياته وإدخال عناصر مثيرة وجديدة إليها، وذلك باستبدال الخدامة السريلانكية والمربية الفلبينية والطباخة الهندية، بخدامة رومانية ومربية روسية، وطباخة يوغسلافية، والبركة بالطبع في مكاتب استخدام هذا النوع من العمالة، التي بدأت تفتح خطوطاً جديدة إلى مناطق أكثر إغراء، يبحث فيها سكانها عن لقمة عيش بأي ثمن، حتى ولو صاروا بشاكير في بيوتنا.

ومغريات هذه المكاتب أن راتب الخدامة من رومانيا 250 درهماً، أي أقل من راتب الفلبينية بكثير، وراتب الروسية 200 درهم ومثلها اليوغسلافية أو البلغارية أو الأوكرانية أو المولدوفية، وغير ذلك من مواطنات الدول الكبيرة سابقاً، الصغيرة الممزقة حالياً، وهي مغريات لا شك تكفي للواحد منا ليجلب بدل الواحدة اثنتين وثلاثاً وأربعاً، خاصة إذا أضفنا لها مغريات أخرى، تعجب الرجال ولن تعجب زوجاتهم بأي حال.

وربما حاول هؤلاء إقناع زوجاتهم بالادعاء بضرورة ترشيد الانفاق وتعلم التوفير والاقتصاد المنزلي والأهمية الاستراتيجية للادخار، لكي يحظوا بموافقتهن على جلب الرومانية والروسية وغيرهما، فالواحد منهم يتمنى مشاهدة شقراء حلوة في بيته، على مشاهدة ما هو موجود حالياً، من خدامات بينهن وبين الجمال ما صنع الحداد.

ولو نجح هؤلاء وضحكوا على ذقون حريمهم، وصار في بيوتهم رومانيات وروسيات وغيرهن، من الشقراوات الحلوات، فإن الواحد منهم ربما لازم بيته كالناطور، وعندها لكم أن تتصوروا المعارك اليومية داخل هذه البيوت، والتي يكون المضروب فيها الزوج، على حركاته ونواياه ونظراته وتدليعه، للخدامة بحجة التخفيف عنها في غربتها، ومن منطق ارحموا عزيز قوم ذل.

غير أن مراكز الشرطة عندنا ولا حتى البلديات، ستفكر في إقامة بيوت لإيواء هؤلاء الأزواج المضربين، فنحن لسنا سويسراً، ولا زوجاتنا سويسريات، مما يجعلنا ننصحهم بعدم الإقبال على مثل هذه المغامرات، التي ستبيح للزوجات حق ضرب الأزواج، وبهدلتهم آخر بهدلة، لأن عذرهن سيكون الدفاع عن النفس، وعن بيوتهن من الخراب، وكله من وراء أفكار الرجال وطموحاتهم غير المشروعة، وما أكثرها وأخطرها.

من كتاب (النظام العالمي الضاحك)، إصدارات البيان، 1998.

()