عبد الحميد أحمد

بقر اليابان

في اليابان اليوم، فريق من البقر، يقف كل صباح وقبيل بداية اليوم المدرسي، عفواً بداية عملية الحليب ليردد نشيد الربيع، لمدة عشر دقائق، وبشكل جماعي، مما يجعل بقية البقر تنشرح أساريرها على أنغام هذه الجوقة البقرية، فتدر حليبها وهي تضحك. وربما كان مثل هذا الخبر غريباً للكثيرين وغير قابل للتصديق لكنني شخصياً، لا استبعد من اليابانيين، الذين أظهروا شطارة ومهارة في كل شيء وفي كل صناعاتهم واختراعاتهم المذهلة، أن ينجحوا في تعليم البقر حفظ نشيد أو قصيدة أو أغنية، ولن أذهل غداً إذا سمعنا أنهم استخرجوا حليباً من النمل خالي الدسم، أو أنهم علموا البقر، الذي أصبح يغني الآن، الطيران في الهواء، وما إلى ذلك من الأعاجيب التي لا يصنعها إلا العقل المبتكر.

غير أننا، لا نستفيد من إنجازات غيرنا، ولا نتعلم منهم شيئاً، والا لسارعت وزارات التعليم في الوطن العربي إلى الاستفادة من تجربة اليابانيين في تعليم البقر حفظ الأناشيد، وفي معرفة سر نجاحهم في ذلك بحيث نستطيع أن نطبق علومهم وأساليب تعليمهم على طلبتنا، الذين يعجز الواحد منهم عن حفظ الأناشيد المدرسية والقصائد المقررة في المنهج لكثرتها.

ومرة اتصل طالب يشكو من كثرة ما هو مقرر عليهم حفظه، حتى إنه لم يعد قادراً على حفظ بيت واحد من قصيدة، وسأل عن جدوى كل هذه القصائد والمحفوظات التي عليه أن يبصمها عن ظهر قلب، ثم سينساها لاحقاً بعد تخرجه.

ويقول هذا الطالب، إن في المنهج عدداً من الآيات القرآنية والأناشيد والمحفوظات، مطالبين بحفظها جميعاً، غير أنه غير مقتنع أساساً بأهمية حفظها، فلو كان – على حد قوله – يخطط لكي يتخرج خطيباً في مسجد أو إماماً، فإنه لا يمانع في حفظ القرآن كله، كما أنه لو كان يخطط ليصبح أديباً أو كاتباً، فإنه لن يتردد في حفظ كل القصائد في المنهج، وسيزيد عليها من عنده محفوظات أخرى من خارج المقرر، إلا أنه لن يطلع خطيباً ولا أديباً، بل هو يطمح إلى دراسة الهندسة فما الذي ستفيده هذه المحفوظات الكثيرة في دراسة الهندسة؟

ويقول إنه لا يمانع في حفظ بعض الأشياء التي يستخدمها في حياته اليومية، كبعض السور القرآنية لاستخدامها في الصلاة، وبعض الحكم والأمثال التي تفيد في المخاطبة اليومية وتقوي منطق الحديث والمحاورة، أما بقية المحفوظات الطويلة فيفضل قراءتها وفهمها، على حفظها، ثم إن الكتب اليوم متوفرة ويستطيع متى يريد الرجوع إليها لقراءة ما يرغب منها والاستفادة بها، فما الداعي إلى فرض الحفظ إذن؟

وشخصياً لست خبيراً في التربية والتعليم لكي أعرف له دوافع فرض الحفظ على الطلبة، بدلاً من دفعهم إلى فهم ما يقرأونه قبل دفعهم إلى حفظه، وبما أن وزارات التربية لن تبادر كما هي العادة، لمعرفة الأساليب الحديثة في التعليم، ولن تتصل باليابانيين لمعرفة كيفية تمكنهم من تحفيظ البقر لنشيد الربيع، فإن بإمكان هذا الطالب، الذي أراه على حق فيما يقول، ومعه مجموعة من زملائه المتذمرين من الحفظ وصعوبته أخذ زمام المبادرة في الاتصال باليابانيين، لعلهم يعرفون السر منهم، فيتخلصون من عقدة الحفظ هذه.

غير أنهم لو فعلوا وعرفوا السر الياباني، ونجحوا في حفظ ما هو مقرر عليهم، أن يزيدوا فهماً عن البقر الياباني الذي يردد كل صباح نشيد الربيع، فيما هو «ثور الله في برسيمه».

.. وكذا هو الحال بالنسبة للكثير من طلابنا، الذين لا تجعل منهم المناهج عقولاً مفكرة، بل جوقة حفيظة، النجاح مضمون لمن يحفظ أكثر، لا لمن يفهم ويفكر ويبتكر، ما يجعل البقر الياباني يتفوق عليهم عشرة على عشرة.
من كتاب (النظام العالمي الضاحك)، إصدارات البيان، 1998.

()