عبد الحميد أحمد

شعر مثل العسو

ربما لو قال أحدنا، لأي فتاة من بنات اليوم من الجيل الصاعد، الذي عليه من بعد الله اعتمادنا، في دعم مستقبل البلاد بأولاد صالحين فيهم الخير والبركة، إن شعرها مثل المكشة أو الممسحة أو العسو (وعن الأخير، اسألوا الجدات)، فإنها لن تشعر بالمهانة، بل ربما شعرت بالزهو والفرح، ما يجعلها ترفع رأسها، وتطرف بعينيها وهي تجيب: ثكراً، هذا من لتفك!

السبب طبعاً بسيط، وهو أن هذه الفتاة لا تعرف المكشة ولا الممسحة، ولا أياً من أدوات المطبخ الذي لا تعرف موقعه في البيت، قدر معرفتها بأدوات التجميل والإكسسوار والعطور والزيوت، وقدر معرفتها بمحلات التجميل وصالونات اللياقة والجمال المنتشرة في البلد، مثل دكاكين السمبوسة وأكثر، على قدر شعر الرأس، أيام ما كان فيه شعر طبعاً، غير أننا لا نتحدث اليوم عن هذا الجيل، الذي تتحدث عنه أفعاله، بناتاً وأولاداً، بل نود أن نشكر بلدية دبي، بالنيابة عن الرجال، خاصة المتزوجين، لأنها في سبيلها إلى إنقاذ هؤلاء من رؤية زوجات صلعاوات في البيوت، بطيخة كل واحدة منهن ولا بطيخة الطائف، لمعاناً وإشراقاً. وربما كان شكر البلدية واجباً على النساء أكثر من الرجال، لأن وجود الزوجة القرعة في بيت الزوجية، سيدخل الرعب والخوف في قلوب الأولاد، (وربما ادخل المسرة والمسخرة أيضاً، من يدري، فلعل الأولاد يفتكرونها كاسبر الشهير في أفلام الكارتون، فيتحولون لمشاهدتها 24 ساعة بدلاً من التلفزيون) مما يعني ارتفاع حالات الطلاق وطرد الزوجات القرعاوات إلى بيوت أمهاتهن، لحين يطلع الشعر من جديد، بفضل الياس والحنا وغير ذلك من الأعشاب التقليدية، التي كانت تستخدمها أمهاتنا وجداتنا.

فالبلدية، بعد غاراتها المفاجئة على المطاعم والفنادق والمحلات، تعد العدة لحملات تفتيش على صالونات الحلاقة النسائية ومعاهد التجميل ومحال التزيين، التي صار لها في كل عمارة وفي كل زاوية وسكة علم، وصار لها إعلانات في كل الصحف وصار عندها، حسب هذه الإعلانات خبيرات في الشعر والماكياج، ولا خبيرات الطاقة النووية والهيدروليكية والذرية والكيميائية، بحيث تفوقن على خبراء الجيش العراقي، في هذه الصنعة، والنتيجة، إما تساقط شعر رؤوس الحريم من الكي والحرارة، أو من الأصباغ والدهون، أو إصابتهن بالحساسية والالتهابات. وربما تكتشف البلدية، أن بعض هذه المحلات يستخدم القار والزفت على أنه مساحيق، أو صل وودج السفن على أنه زيوت تعيد للبشرة شبابها، والمرأة التي لم يسقط شعرها بعد، فرحانة بتسريحتها الجديدة المبتكرة، طلع لها القمل، لأنه حسب رأي الخبيرات، عليها ألا تغسل شعرها بالماء لشهر على الأقل، لكي لا تخرب التسريحة، مما حول رؤوس الزوج والأولاد إلى مزارع نموذجية للقمل والحشرات. وهذا كلام ليس من عندنا، لأن رجالاً اتصلوا مراراً يشكون من تساقط شعر نسائهم إلى حد القرع الكامل في بعض الأحيان، وأخريات اشتكين من أمراض جلدية وحساسية والتهابات، بعد تعاملهن مع مثل هذه الصالونات. والحق لن يكون على هذه المحلات وحدها، التي ما افتتحت أبوابها إلا لكي تشتغل وتربح ولو بالشطارة، بل على النساء والبنات، اللائي تقصف شعرها أو تكويه أو تفرمه أو تشكله حسب الموضة، وحسب رأي الخبيرات. ولو أن النساء استمرين في ارتياد مثل هذه الصالونات من أجل جمال مؤقت وزائف، حتى لو كان على حساب سقوط شعرهن، فعلى تجار الباروكات الاستعداد، لازدهار الطلب على بضائعهم، وهم ليسوا بحاجة إلى تذكير، طالما أن الصالونات تعمل لصالحهم، وتكثر من إعداد القرعاوات في البلد. ونختم، بهذه الطرفة، قد اشتهر أحد معاهد التجميل والتزيين في أمريكا ببراعته في الدعاية عن نفسه، ومرة وضع هذا المعهد لافتة على الباب تقول: أيها الشاب، لا تحاول مغازلة أي حسناء تخرج من هنا، فقد تكون هذه الحسناء عجوزاً! ونضيف للإعلان: إن الحسناء قد تكون صلعاء، ولا تغرك الباروكة.
من كتاب (النظام العالمي الضاحك)، إصدارات البيان، 1998.

()