عبد الحميد أحمد

تعاون إسكاني

ربما كانت جمعية الإسكان التي أشهرت مؤخراً هي أول جمعية من نوعها في منطقة الخليج، ونفهم من مجرد التفكير فيها والسعي إلى تأسيسها وإنشائها، إلى الحرص على الانضمام إليها بحيث صار عندها من الأعضاء ما يفوق الخمسمائة، تطور الوعي التعاوني عندنا إلى الأمام، واتجاه المواطنين إلى الإقلال من اعتمادهم على الحكومة، في حياتهم.

وهذا تطور طبيعي، إذا كان المواطن في بداية إنشاء الدولة، ونقص موارده الشخصية وقلة إمكانياته، يريد من الدولة كل شيء، المسكن الشعبي، والمدرسة، والمستشفى، وبطاقات التموين الغذائية المدعومة، وربما حتى تذاكر السفر أحياناً ومخصصات الملابس وما إلى ذلك، وإذا كانت الدولة لم تقصر في ذلك، وما زالت مستمرة في تقديم مثل تلك الخدمات، بما حباها الله من قدرات مالية وإمكانيات، فإن ذلك لا يمكن أن يستمر إلى الأبد، لأنه عرضة لمشكلات كثيرة، كالنقص في الموارد العامة، وزيادة الكثافة السكانية مما يعني ضرورة أن يتجه المواطن إلى الاعتماد على نفسه في مراحل لاحقة، بما أنه ينتج ويشتغل ويكسب دخله الشخصي ويوفر من هذا الدخل، بحيث لا يظل عالة على الدولة باستمرار. هذا ما حدث في دول متقدمة، حتى صار عندها اليوم العديد من أشكال المؤسسات التعاونية، التي تخدم أعضاءها وغير أعضائها، بما يحقق لها الربح والاستمرارية والثبات، والتطور أيضاً.

ففي دول مثل بريطانيا، صارت فيها جمعيات الإسكان، مؤسسات مالية وعقارية، توازي البنوك والشركات الكبرى، بعد سنوات طويلة من العمل والنجاح، وهي الآن تسهل للمواطنين البريطانيين الحصول على مساكن مناسبة لهم، طويلة وبنظام الرهن، تماماً مثل عمليات شرائنا حالياً للسيارات عن طريق شركات التمويل، وتصبح هذه السيارات ملكاً لنا بعد سداد أقساطها وفك رهنها. ثم إن هذه الجمعيات، تحقق سنوياً من الأرباح ما يكفي لتوزيع نسبة منها لصالح حاملي الأسهم من المواطنين، وتحويل نسبة أخرى للتوسع في عملياتها المالية والاستثمارية بما يضمن تطورها وقوتها وتقدم خدماتها.

من هنا، فقد فرحنا لإنشاء جمعية الإسكان عندنا، التي يمكنها في حال نجاحها، حل الكثير من المشكلات التي يعاني منها المواطنون، خاصة فئة الشباب، في العثور على السكن المناسب أو بنائه، وبالتالي المساهمة في بناء الأسرة وضمان استقرارها تحت سقف لائق، كما يمكنها من تحقيق الأرباح، التي تعود إلى أعضائها كل حسب مساهمته، وحصته، مما يعني بالتالي تحسين الدخل لقطاع من المواطنين. وقبل هذه الجمعية، نجحت إلى حد معقول تجربة العمل التعاوني في مجال الجمعيات الاستهلاكية، التي توسع بعضها وحقق من الأرباح ما مكنها من الثبات، وخدم قطاع المستهلكين ببيعهم حاجاتهم اليومية الضرورية بأسعار تنافس أسعار السوق، غير أن جمعيات أخرى، كجمعيات الصيادين والمزارعين، تعثرت للأسف لأسباب كثيرة، ربما كانت محدودية أعضائها وعدم فتحها العضوية لغير أصحاب المهنة سبباً لذلك، لكن يبقى عدم حصولها على الدعم الكافي من الدولة في بداية تأسيسها وحمايتها من المنافسة، هو السبب الأقوى لتعثرها، مع أن مصلحة الدولة في المستقبل المنظور هو في تشجيع مثل هذه الجمعيات التعاونية بكافة أشكالها، وبكافة أشكال الدعم المادي والحمائي والقانوني، سواء لازدهار المهن التي تمثلها مثل هذه الجمعيات، كجمعيات الصيادين والمزارعين وغيرهم، أم لزيادة دخل المواطنين أعضاء هذه الجمعيات أم للخدمات التي يمكن أن تقدمها لعموم المواطنين، مما يقلل من نسبة اعتمادهم على الدولة، وكونهم عالة على الدوام على الموارد العامة التي من الممكن تحويل جزء منها إلى مشاريع أخرى، صناعية على سبيل المثال، بما يساهم في زيادة هذه الموارد، وتحسين الدخل القومي الإجمالي، وتنويع مصادر هذا الدخل، وهنا تكمن أهمية العمل التعاوني وجدواه الكبرى.
من كتاب (النظام العالمي الضاحك)، إصدارات البيان، 1998.