عبد الحميد أحمد

نوبل

حيرتنا جائزة نوبل، وهي لابد أن تفعل، لأن مفاجآتها المحيّرة واحدة من أسباب شهرتها واختلاف الناس حولها، إضافة إلى غموض أسلوب عملها وسرية تحكيمها ودوافع منحها لهذا أو ذلك.

ولابد أن كثيراً من المتشيعرين أو الشويعرين العرب (ولا نقول الشعراء فهؤلاء منهم من يستحق الجائزة بجدارة) أصابتهم الغصة حين أعلن عن فوز شاعر شبه مغمور بها هذا العام، ولابد أن هؤلاء، ومعهم كل الذين يكتبون لصفحات بريد القراء وأقلام على الطريق وغيرها من تلك الصفحات، شعروا أن الظلم حاق بهم، وأنهم يستحقون مثل هذه الجائزة، طالما أن آخرين حصلوا عليها بلوشي وبضربة حظ، أو بسبب لا يعلمه أحد إلا أعضاء الأكاديمية السويدية. والفائز هذا العام، المدعو ديريك والكوت، سأل حين أخبروه بفوزه مندهشاً: لماذا أنا؟ إذ كان يتمنى أن يفوز بالجائزة الشاعر الإيرلندي شيمس هين، لأنه يعرف، وهو المتواضع من جزر الانتيل، أن على قائمة الجائزة كتاباً عالميين كباراً ترددت أسماؤهم في صدر المرشحين الأوائل لها، أمثال الكاتب القرغيزي جنكيز ايتماتوف والكاتبة الفرنسية مارجريت دورا، والشاعر العربي أدونيس والكاتب الياباني كنزا بورو، وغيرهم كثير ممن تجاوزوا في أعمالهم الإبداعية والكوت هذا شهرة وتأثيراً وانتشاراً على مستوى العالم.

غير أن نوبل لن تبقى نوبل، لو دخلت من عنصر المفاجأة هذا، فمن بين كل خمسة أو أربعة أدباء عالميين كبار، لا يختلف على أهميتهم اثنان، لابد أن تحشر اسماً مجهولاً ومتواضعاً، وهو ما جرى على مدى السنوات الماضية حين حشرت شاعراً مغموراً، يهودياً سوفييتياً مهاجراً إلى أمريكا، هو جوزيف برودسكي، بين أسماء عمالقة من نوع جارثيا ماركيز واوكتافيو باث ونجيب محفوظ ونادين جورديمر وول سوينكا وكاميليو خوسيه سيلا، ويأتي الآن والكوت، الذي يشير إليه دليل الأدب العالمي بثلاثة سطور فقط، ويعرفه بأنه صاحب ورشة مسرحية في ترينيداد لا أكثر، وإن كان هذا أفضل حظاً بالتأكيد من اليهودي برودسكي الذي لم يسمع به أحد، قبل نوبل، باستثناء زوجته وأولاده، وربما جيرانه.

وثم إننا لا نحسد والكوت الذي لم يرد اسمه في قائمة المتصدرين للجائزة، ولا نهاجم فوزه بنوبل، كما نفعل مع أمثال برودسكي، فهو يظل من العالم الثالث، وفي تكريمه تكريم لبلاده ومسقط رأسه جزر الانتيل، كما عبر عن ذلك هو نفسه، وها هي الجائزة تفتح أمامه آفاق العالمية، لكي يجري خلفه أصحاب دور النشر، ويبدأ الصحافيون في تلميعه وتسليط الضوء عليه.

هذا ما حصل فعلاً خلال اليومين اللذين أعقبا إعلان فوزه، فدار نشر فرنسية أعلنت أنها بصدد نشر عمل له في فرنسا، وصحيفة عربية تطوعت بترجمة بعض أعماله ونشرها في المناسبة، منها هذه الأبيات: أن تلعن مسقط رأسك فذاك هو الشر الختامي/ تستطيع أن تحدد حدودي أربع ياردات من الساحل/ زورق بأضلاع مكسورة، خشب البقم الذي لا تنمو فيه الأشواك، ماذا لو أن الخطوط التي أنشرها تنتفخ إلى كتاب/ لا تمسك شيئاً؟ أليس امتيازاً للحكم على عمل أحد بحملقة عقول أكبر/ إلى آخر هذه الكلمات التي أراهن لو أن قائلها أرسلها إلى زميلنا حسن أبو حلو لنشرها في صفحة على طريق الإبداع الأسبوعية، لامتنع عن ذلك حفاظاً على مستوى أقلام زبائنه من القراء.

ونترك والكوت في حاله، الذي تقول سيرته إن رصيده 17 عملاً لا غير، وهو أقل من رصيد أي شويعر عربي في حالة إمساك لا إسهال كما هي العادة، ونقول حلال على فمه المليون دولار قيمة الجائزة، لنعود إلى نوبل، التي تحيط أعمالها بالسرية المطلقة، وكأنها كنيسة من العصور الوسطى، أو كأنها حزب عربي سري، ما يجعلنا نعتقد أن اختياراتها لا تحكمها معايير ولا لجنة تحكيم ولا بطيخ، بل قرعة بين المرشحين على طريقة «صابت ما صابت»، ما يجعلنا نخشى أن يصيب حجر القرعة الأعمى، هذا عما قريب أحد المجرمين العتاه، صانعي الحروب والقتل والتدمير، والمرشح المتصدر لقائمة جائزة السلام، المدعو اسحق شامير، الذي مازلنا نتذكره جيداً، خاصة وهو ينسف السلام قبل أشهر قليلة.
من كتاب (النظام العالمي الضاحك)، إصدارات البيان، 1998.