عبد الحميد أحمد

مفاجآت صناديق الاقتراع

عن الأسرار السياسية عند الأمريكيين نروي هذه الحكاية.

فقد تلفن مرة مسؤول كبير في وزارة الخارجية لصحافي شاب التحق حديثاً بقسم الأخبار السياسية في صحيفة «دايلي سكوب» وقال له على الهاتف: ألا تعرف مهنتك؟ لقد صرحت لك أمس بخبر سري للغاية، وجعلتك تتعهد بكتمان السر، لكنني هذا الصباح قرأت جريدتكم فوجدت أنك لم تنشر كلمة واحدة مما صرحت لك به.

وكان هذا أول درس يتعلمه هذا الصحافي الشاب عن السياسة الأمريكية، التي تقوم على ما يمكن تسميته بديمقراطية الكلام.

وفي سياق هذه الديمقراطية تسخن عادة المشادات والمشاجرات الكلامية بين الحزبين المتنافسين على الرئاسة، قبل موعد الانتخابات بنحو عام تقريباً، على النحو الذي رأيناه ونراه حالياً، وكان آخر نقل مثل هذه المشاجرات إلى الشاشات، فيما يعرف بالمناظرة بين المرشحين، بعد أن تكون الحملات الانتخابية والتصريحات العلنية والتسريبات الصحافية، بما في ذلك تسريب الفضائح والأسرار وكل ما له علاقة بالحياة الشخصية، قد شقت طريقها إلى الجمهور الأمريكي، وكذلك العالم، الذي يراقب هذه الانتخابات وكأنها تجري لانتخاب رئيس له، لا رئيس للولايات المتحدة وحدها.

ما يهمنا من هذه الديمقراطية على الطراز الأمريكي، هو أن مرشحنا جورج بوش، بات يحتاج إلى معجزة لكي يجدد له الأمريكيون ولاية أخرى لرئاسة بلدهم، ولكي يمضي، فيما يهمنا في عملية السلام التي دعا إليها وتعهد بإنجاحها، لأنه حسب استطلاعات الرأي العام شبه اليومية، صار حظه في الفوز يتضاءل أكثر فأكثر.

وجاءت مناظرة أول أمس، انتكاسة أخرى له، حيث ظهر فيها منافسه أكثر تماسكاً وإقناعاً، فيما راح بوش يكرر ما سبق أن قاله مرات ومرات ولم يضف جديداً من الذي يتوقعه وينتظره الناخب الأمريكي منه، وربما أنه بعد هذه المناظرة، تتراجع أسهمه أكثر فأكثر.

وقبل كل ذلك بفترة، قال أستاذ جامعي، هو الان ليختمان يشرف على ما يعرف بنظام ليختمان، وهو نظام خاص، غير طريقة وأسلوب الاستفتاءات، إن بيل كلينتون هو الرئيس المقبل للولايات المتحدة، وقد أثبت نظامه هذا كفاءته حين تنبأ بفوز جورج بوش نفسه عام 88 وقبل موعد الانتخابات بستة أشهر، رغم تقدم منافسه الديمقراطي عليه آنذاك مايكل دوكاكيس بفارق كبير في استطلاعات الرأي، كما تنبأ بفوز رونالد ريجان على منافسه والتر مونديل عام 84.

وأمام كل هذا التراجع في الشعبية حاول الجمهوريون إحياء ذكرى ترومان، الذي فاز في اللحظة الأخيرة بمعجزة فيما استطلاعات الرأي كانت في غير صالحه على الدوام، غير أن الديمقراطيين ردوا على ذلك، أن بوش ليس ترومان، كما أن الناخب الأمريكي نفسه، لم تشفع عنده هذه المقارنة، التي قصد منها تحويل الأنظار إلى الانتصارات الخارجية التي تحققت في عهد الرئيس بوش، كسقوط الاتحاد السوفييتي وحائط برلين والانتصار في حرب الخليج وقيادة أمريكا للعالم، لأن ما يهم هذا الناخب في النهاية هو جيبه، وكم من الدولارات سوف تدخل في حسابه، وكم ستخفض الضرائب على دخله، وهو ما لا يستطيع بوش الحديث عنه، وبلاده تتحول إلى أكبر مدين في التاريخ.

والمعجزة المنتظرة هي من نوع هبوب عواصف وأعاصير وأمطار ليلة الانتخابات، بحيث تمنع المؤيدين لكلينتون من الوصول إلى صناديق الاقتراع، كما حدث لمؤيدي ديوي منافس ترومان، غير أن العالم سيبقى عليه الانتظار لمعرفة النتائج بعد حوالي عشرين يوماً، موعد هذه الانتخابات الأكثر حرارة في تاريخ أمريكا والعالم، ليعرف إن كان زمن المفاجآت لايزال موجوداً، حتى في صناديق الاقتراع.

من كتاب (النظام العالمي الضاحك)، إصدارات البيان، 1998.

()