عبد الحميد أحمد

بريجيت باردو

عند الفرنسيين، وربما عند الكثيرين في العالم، أن برج إيفل ليس وحده من معالم باريس، بل بريجيت باردو أيضاً، فهذه شغلت الناس، وصارت مادة للصحف والأحاديث، ممثلة إغراء وصاحبة صرعة وذات وجه جميل وغريب في الوقت نفسه، مثلها مثل أخريات يعتبرن من رموز النصف الثاني من قرننا: مارلين مونرو في أمريكا ولاحقاً مادونا ومايكل جاكسون، صوفيا لورين في إيطاليا، وبي. بي طبعاً في فرنسا، وكتكوت الأمير وعدوية في مصر.

وأدركت باردو مؤخراً صحة مثلنا الشعبي النسواني الذي أكل عليه الدهر وشرب: ظل راجل ولا ظل حيط، فقررت العودة إلى حظيرة الزواج، وبالنسبة لها يصير المثل: ظل راجل ولا ظل حمار أو كلب، وذلك بعد سنوات من عزلتها عن الرجال والناس والسينما بين حيواناتها المدللة، التي كانت نشرت الصحف والمجلات صوراً لها أو تحقيقات عنها، أثارت حسد البشر في العالم الثالث، فيتمنى منهم الكثيرون لو كان واحداً من رعايا الممثلة الجميلة، يحظى بحنانها وعطفها، ويشم عبير عطورها، والأهم يأكل أطايب طعامها من لحوم وخضروات ومشروبات إلى جانب الاستحمام بالصابون المعطر والشامبو المزيل للقشرة، ويجد أيضاً من يدافع عنه ويعالجه إذا مرض أو تعرض لأزمة من نوع الأزمات التي يعيشها هذا الإنسان في كل دقيقة وكل ساعة.

ومع أن بريجيت باردو جربت في حياتها بدل الرجل مثنى وثلاث ورباع، بين ممثل ومخرج ومنتج ورجل أعمال، إلا أنها، كما يقول الغربيون عن أنفسهم، يقبلون على تربية الحيوانات، خاصة الكلاب، كلما عاشروا البشر أكثر، قررت فك عزلتها تلك وطلاقها للرجال، والعودة إليهم، لأنها والعمر يمضي لم تكن واثقة تماماً أن واحداً من كلابها المدللة أو حميرها المرفهة أو قططها التي تنام على الفراء، قادر على رعايتها، يوم ينتشر الشعر الأبيض في رأسها، ولا تحملها إلا عكازة، مثلما يمكن لرجل وفي أن يفعل، فيما لو كان هذا الرجل وفياً بالطبع.

وبريجيت باردو، رغم أنها انقطعت عن السينما لسنوات طويلة، إلا أن حضورها ظل يومياً في الرأي العام، هي تدافع عن الحيوانات وتتصور معها وتدلي بالتصريحات لصالحها، وكان آخر خبر قرأناه عنها قبل خبر زواجها، هو الحكم لصالحها من قبل إحدى محاكم الاستئناف في جنوب فرنسا، حيث أكدت حكماً ابتدائياً بأنها لم تكن مخطئة حين أخصت حمار المواطن الفرنسي جان بيار مانيفيه (اسم المواطن وليس الحمار) حين تركه في عهدتها للعناية به خلال غيابه، وردت على دعواه ومطالبتها بالتعويض أنها كانت تحمي فرسها من تهديد الحمار قليل الأصل وقليل الأدب وخائن النعمة.

ونعود إلى زواجها، فنقول، إنه لابد أسعد الغرباء والمهاجرين إلى فرنسا خاصة إخواننا العرب، أكثر من حيواناتها، فزوجها برنار دورمال الذي يصغرها بسبع سنين، هو الصديق الشخصي والمستشار السياسي للزعيم اليميني المتطرف جان ماري لوبان، الذي يطالب بطرد الغرباء من فرنسا، ويدعو إلى عنصرية بغيضة في السياسة الفرنسية، ومصدر السعادة أن هؤلاء يترقبون من بريجيت باردو أن تحسن تربية الزوج الجديد، كون الرجل تربيه في حياته امرأتان: أمه وزوجته، بحيث تنجح في إقناعه في أن البشر يستحقون العطف والعيش والحياة، لا الحرق والطرد، وأنه يمكن معاملتهم بالحسنى كما هو الحال مع الحيوانات التي لا تجد من يدافع عنها.

ولو جاء في أي خطاب قادم لزعيم الجبهة الوطنية الفرنسية المتطرفة، ما يدل على تغيير سياساته تجاه البشر، فإن بريجيت تستحق من هؤلاء المهاجرين أن يهتفوا لها: عاشت باردو، لأنها تكون أنقذتهم من العنصرية والتفرقة والحقد، وأحسنت تربية زوجها وزعيم زوجها، بعد أن نجحت في تربية الحمير وترويض الكلاب الضالة، وجعلتها أفضل من البشر أبناء آدم وأبناء الأصول.

من كتاب (النظام العالمي الضاحك)، إصدارات البيان، 1998.

()