عبد الحميد أحمد

وزراء

نتذكر أنه قبل حوالي عشر سنوات، وعندما اغتيل رئيس الوزراء السويدي أولاف بالمه، كتب الصحافيون العرب كثيراً مندهشين، لا للاغتيال، لأن هذا كان من الأمور التي اعتادها الصحافيون في بلادهم بكثرة حتى لم تكن تثير أية دهشة، بل لأن المسؤول الكبير كان يسير ليلاً برفقة زوجته مشياً على الأقدام، وبلا حراسة، إلى دار للسينما لمشاهدة فيلم. وما زال بعضنا تأخذه الدهشة حتى اليوم، حين يرى صور وزراء ومسؤولين كبار في بلدان غربية، وهم يلاعبون أطفالاً في حديقة أو مدرسة، أو وهم يتحدثون في الطريق لعمال أو لشباب أو لنساء من عامة الناس، أو حين يقرأ هذا البعض عن هوايات لهؤلاء ومنها ما هو غريب، يمارسونها خارج دوامهم الرسمي حيث يتحولون إلى مواطنين عاديين، يخلعون عنهم أردية الوزارة والبروتوكول، وما تقتضيه تلك من رزانة إلى درجة الصرامة والتكلف.

وعادة ما يكون مصدر الدهشة هو أننا في العالم الثالث، ومنه عالمنا العربي، وتحديداً الدول غير الديمقراطية فيه، لم يتعود الإنسان عندنا على رؤية وزير مثلاً في سوق السمك والخضرة أو في محل للسوبر ماركت، ولا هو رأى وزيراً في يوم الإجازة يقضي أوقاته مع أولاده في حديقة عامة كبقية الناس، ناهيكم عن أنه لم ير وزيراً في موقع العمل، خارج مكتبه الرسمي، يعاين العاملين والموظفين وغيرهم من الذين يقعون في نطاق عمله.

إن المواطن يرى الوزير في التلفزيون أو على صفحات الجرائد، في لقاء رسمي أو في اجتماع عالمي المستوى، وصار بينه وبين الوزير حجاباً حاجزاً من الفوقية والتعالي من طرف الوزير، ومن الدونية والنقص من طرف هذا المواطن.. اللهم احفظنا. وقلنا أمس إن مثل هذه الصورة، وذلك السلوك الرسمي، يمكن أن يتغير في عالمنا العربي، بفضل بعض الذين يدخلون معترك الحياة السياسية من المثقفين والإعلاميين، الذين يقتربون بطبعهم وتركيبتهم الشخصية والنفسية من الناس، وقد عرفنا من هؤلاء عدداً لا بأس به قدموا تلك الصورة غير المألوفة والنادرة للمسؤول الذي يعرف أن وظيفته تكليف لا تشريف، نذكر منهم، علاوة على ما ذكرنا أمس الأديب حسن اللوزي، وزير الإعلام سابقاً، ووزير الثقافة حالياً باليمن، والفنان فاروق حسني وزير الثقافة في مصر، ومحمد بن عيسى وزير الثقافة في المغرب، وغيرهم.

غير أن هؤلاء القلة ليسوا إلا استثناء، ثم إن من المثقفين من يصبح وزيراً أو مسؤولاً فينسى نفسه، ويتحول إلى جوقة الوزراء المتعالين، وعندنا وزراء في الإمارات وفي دول الخليج، مع أنهم لا ينتمون إلى الوسط الثقافي مباشرة، غير أنهم يقدمون المثال الطيب على فهم دورهم ومناصبهم، باختلاطهم بالناس وسهولة رؤيتهم وحضورهم النشاطات العامة بصفتهم الشخصية، بلا موتوسيكلات وحراسة وأبهة تصحبهم كما يجري في دول أخرى، معتمدين في ذلك على ما نتمتع به من ديمقراطية عفوية موروثة، وعلى كوننا جميعاً أبناء قرية يعرف كل منا صاحبه، ويتعامل معه دونما كلفة أو تعالٍ.

ومثل تلك الممارسات المتواضعة التي تقرب الوزير من شعبه وناسه، لا تقلل من مقداره ولا تحط من قيمته، بل إنها تعمل على رفعها واحترام الناس وحبهم له، لذلك نعتقد أن وزيراً جديداً بالحكومة الكويتية كأحمد الربعي أحبه الناس أكثر، حين ذهب بمفرده وبسيارته المتواضعة إلى المدرسة، لتسأله إحدى الناظرات: من أنت؟ فيرد عليها بتواضع: أنا أحمد الربعي وزير التربية، وكان بإمكانها أيضاً، ومن حقها، أن تسأله عن بطاقته الشخصية لكي تتأكد.

ونعود لما بدأنا به، فإذا كان شخصاً مسالماً مثل أولاف بالمه اغتيل في دولة ديمقراطية عريقة، فماذا يكون مصير وزير عراقي مثلاً في دولة ديكتاتورية، لو سار بمفرده في شارع عام؟ إنه إذا لم تغتاله المعارضة المقموعة، وهو ما نستبعده، لأن هذه لم تبق لها سلطة القمع وجوداً في الداخل، بعد أن حلقت لها ريشها على الآخر، فإن المتوقع أن تجهز عليه العراقيات عضاً وقرصاً، والعراقيون ضرباً وصفعاً بالقندرة. الله الوكيل.

من كتاب (النظام العالمي الضاحك)، إصدارات البيان، 1998.