عبد الحميد أحمد

مطلوب مصحات

في أحد الانتخابات الأمريكية لعضوية الكونجرس، رشح أمريكي نفسه بعد خروجه مباشرة من أحد المصحات العقلية، حث كان نزيلاً فيه، فما كان منه إلا أن كتب على لافتات حملته الانتخابية الجملة التالية: انتخبوا بيتر فيلمنج، السياسي الوحيد في الاباما الذي يحمل أوراقاً رسمية تثبت أنه ليس مجنوناً. ومرة كتبنا في زاوية سابقة عن الولايات المتحدة وقلنا إنها البلاد التي يعتبرك الناس فيها مجنوناً إذا لم تستشر الطبيب النفساني مرتين كل أسبوع. ولا نعرف حالياً ما إذا كان المصارعون الستة على منصب الرئيس الأمريكي القادم ونائبه، يحملون شهادات رسمية تثبت سلامة صحتهم النفسية، وهم إن كانوا حقاً أسوياء وأصحاء الآن، فإن من المتوقع أن يدخل بعضهم المصحات، خاصة بعد انقضاء هذه المعركة الصاخبة المجنونة التي تلتهم الأموال والوقت والأعصاب والكلام والشعارات على الطريقة الأمريكية المعروفة في الانتخابات الرئاسية، التي يبدأ التحضير لها عادة قبل موعدها بسنتين على الأقل.

غير أن قدر السياسيين هو أن يكونوا مجانين في رأي الناس العاديين، الذين ينظرون إلى سلوكهم وممارساتهم وجريهم وراء السلطة وصراعهم على النفوذ، على أنه ضرب من الحماقة والجنون. لا يخلو من دوافع نفسية عميقة تختبئ وراء الدوافع السياسية المباشرة. وإذا كانت الديمقراطية تمنع أحياناً هذه الدوافع من الانفجار غير السلمي على شكل عنف وقتل وتدمير، وتقننها في قنوات صحيحة للحرب بالكلام والشعارات والحجة والمنطق كما هو الحال في أمريكا مثلاً، فإن هذه الدوافع نفسها، في مناطق أخرى من العالم تنفجر إلى حروب فعلية بالمدافع والصواريخ والقنابل والرشاشات والسكاكين، على نحو ما نرى في البوسنة والهرسك، وفي جمهوريات الاتحاد السوفييتي سابقاً، وفي الصومال مثلاً، وعلى نحو ما رأينا في لبنان قبيل توصل زعمائه إلى اتفاق الطائف، بعد عودة العقل إليهم، أدام الله هذه النعمة عليهم، وعلى نحو ما رأينا في التاريخ الحديث من حروب داخلية في بعض البلدان، وحروب خارجية مدمرة ككارثة الغزو العراقي للكويت. ومؤخراً طالب أطباء أوروبيون بإخضاع زعماء الصرب للعلاج النفسي، على اعتبار أن هؤلاء مجانين، لا تنفع معهم قرارات ولا عقوبات من تلك التي تمليها الأمم المتحدة، وربما كان مثلهم زعماء الفصائل المتحاربة في الصومال الذين لا تردعهم رؤية أهلهم وناسهم يموتون جوعاً عن مواصلة العنف والقتل، ويمكن لمثل طلب أولئك الأطباء الأوروبيين أن ينسحب على آخرين في العالم، ومن الذين لا يزالون يمارسون السفك في بلدانهم أو ضد غيرهم، إلا أن الأمم المتحدة لم تعر كلام الأطباء أولئك أي اهتمام، وإلا لسارعت إلى إنشاء منظمة جديدة تابعة لها، تسميها منظمة الصحة النفسية، لكي يكون من زبائنها أمثال هؤلاء، تقدم لهم العلاج على أيدي أطباء نفسيين وعقليين في مصحات يكون ناطوراً عليها بطرس غالي.

نقول ذلك لأننا نخشى أن تتأثر الشعوب بجنون هؤلاء، فتنتقل أمراضهم وعللهم النفسية إلى هذه الشعوب، التي ترى وتتفرج ويكاد عقلها يطير منها، والتي سيكون عليها عندئذ أن تفعل بنصيحة طبيب لرجل في الحكاية التالية:

فقد أصيبت زوجة هذا الرجل بمرض أخرسها عن الكلام، وبعد جهود مضنية وأموال كثيرة تمكن من علاجها على يدي طبيب ماهر أعاد إليها النطق، وكان المسكين يعتقد أن زوجته ستسعده بكلامها الحلو وتغريدها الجميل، بدلاً من صمتها المطبق، إلا أن الرجل سرعان ما عاد للطبيب بعد شهر واحد، يطلب منه إعادة الخرس إلى زوجته، بعد أن ضاق ذرعاً بهذرها المتواصل وثرثرتها بلا انقطاع، فرد عليه الطبيب: لا أستطيع إعادة الخرس إلى زوجتك الآن، هذا غير ممكن، لكن بإمكاني أن أجرى لك عملية فتصبح أصم فلا يعود يؤذيك هذرها.

وربما كان على البشر الآن وهم يدخلون النظام الدولي الجديد من ثقب الإبرة أن يطالبوا بإخراس أمثال هؤلاء السياسيين من هدير أصواتهم ومدافعهم أيضاً، غير أن هذا أمر مستبعد في ظل عجز الأمم المتحدة الحالي، مما يدعونا إلى اقتراح أن يجري هؤلاء عمليات جراحية يصيرون بعدها عمياناً طرشاناً، لعلهم ينجون بصحتهم النفسية وعقولهم من الجنون وكل عارض نفسي آخر، اللهم نجنا أجمعين.
من كتاب (النظام العالمي الضاحك)، إصدارات البيان، 1998.