عبد الحميد أحمد

مادونا

      ربما تفعل مادونا في الغرب ما عجز عنه أسلافها من ممثلات الإغراء وفنانات الإثارة، من مارلين مونرو مروراً بارسولا اندرسون وحتى ادويج فينيش وغيرهن، من اللواتي يصبن بالخجل الشديد إذا ظهرن مرة بكامل ملابسهن في فيلم ما، ويعتبر ذلك عاراً فنياً. والغرب كان يقول عن النجمة السينمائية إنها الجسد السماوي الذي تراه العين المجردة، دون حاجة إلى تلسكوبات ولا نظارات مكبرة ولا أشعة ليزر تكشف ما خلف الثياب، حتى جاءت مادونا لتقول لهم إنهم ليسوا بحاجة حتى لدفع ثمن تذكرة التفرج والمشاهدة، فهي تتكفل بالوصول إليهم في بيوتهم ليستمتعوا برؤيتها عارية بالمجان.

ومرة سئلت إحدى ممثلات الإغراء عن أحب شيء إلى نفسها، فأجابت إن أسعد ما يسعدها لحظة وصولها البيت وارتدائها كامل ملابسها قبل أن تنام، غير أن مثل هذه الفنانة، التي يبدو أنها دقة قديمة، تجاوزتها فنانة مثل مادونا، تزداد سعادتها كلما كشفت وتعرت في الشارع مثلما في البيت أو في الحمام أو في فيلم، ولهذا فقد سرت في صفوف الشباب والمراهقين من معجبيها سريان النار في الهشيم، عدتها، ليس أفلامها ولا أغنياتها التي يجمع النقاد على رداءتها وسوئها، بل جسدها وعريها، حتى صارت صاروخاً منطلقاً لا حدود لمجاله، تنهال عليها الفلوس بالهبل، وصار لها قصور وأموال وشرطة خاصة تحميها من المتطفلين والفوضويين، أقوى من أي حرس خاص لزعيم دولة غربية (لا زعيم دولة من العالم الثالث، فشر وحامض على بوز مادونا).

ونعود إلى الغرب، الذي ربما تؤدبه مادونا أكثر من غيرها، فعلى الرغم من أن الناس في الدول الغربية يعتقدون أن الفضيحة هي الشيء الذي يجب أن يكون قذراً جداً لكي يكون جيداً، إلا أنهم مع مادونا وعمايلها، تراجعوا عن هذا الاعتقاد، حين كانت أغنياتها ومشاهد العري فيها تدفع بحمرة الخجل إلى وجوههم وهم يشاهدونها على التلفزيون، حتى أن تلفزيون بريطانيا اضطر مؤخراً إلى شطب ما مدته أربع دقائق من أغنية لها طولها سبع دقائق لكي لا يجرح مشاعر مشاهديه، ولو أن مثل هذا الأمر حصل عندنا في إحدى دولنا العربية لما استحق أي وقفة، غير أنه جرى في دولة غربية، حيث وصلت الإباحية والحرية الجنسية إلى حد اعتبار ليلة الزفاف بالنسبة للعرسان الشبان، هي ليلة الدخلة التي لا تستدعي بروفات عامة. على الطريق نفسه، انضمت دول أخرى إلى بريطانيا في ردع مادونا لكي تحتشم شوية، فمكتبة كبرى في أستراليا منعت بيع كتابها الأخير الذي يحمل عنوان «جنس»، ليس فيه إلا صور عارية في أوضاع مختلفة لمادونا، ثم إن اليابان، كما قرأنا منذ يومين، قررت منع دخول الكتاب برمته إلى أراضيها، حفاظاً بالطبع على أخلاق الشباب والشابات اليابانيات، مما اضطر بعضهم إلى حمل نسخ منه ومحاولة تهريبه إلى الداخل، ما يذكرنا ببعض شبابنا الذين يسربون في حقائب سفرهم أفلاماً ممنوعة ومخلة. وإذا كان عندنا يفعل البعض ذلك، على اعتبار أن الممنوع مرغوب، فلماذا يمنع الغرب بعض أغنيات مادونا وكتابها، وليس عندهم من الممنوع شيئاً، ثم إن مجلات الجنس والإثارة تباع عندهم على الأرصفة وعلى قفا من يشيل؟

ما الذي نريد قوله؟ إن الدول الغربية لم تنقذها الإباحية الجنسية من جرائم تتعلق بالجنس، كالاغتصاب مثلاً، حيث لا يمر يوم دون أن نقرأ عن وقوع عدد منها فهي كلما أشبعت غرائزها ازدادت ظمأ إلى حد الجريمة.

لذا، إذا نجحت مادونا، في تأديب الغرب على أفعاله وإعادة الاعتبار لديه للأخلاق من حيث لا تعلم، فإنها تستحق منا نحن العرب المكافأة وإقامة تمثال لها (بكامل ثيابه لا عارياً بالطبع، فينام تحته ليلاً شبابنا)، فذلك ربما يكون فاتحة لعودة الأخلاق إلى سياسة الغرب، فلا يعاملوننا بوجهين ولا سياستين، كما فعلوا سابقاً ومازالوا يفعلون.

إلا أننا مع ذلك لا ننتظر أن تنتصر لنا من الغرب فنانة إغراء درجة عاشرة من نوع مادونا حتى وإن تشخلعت على أبناء قومها وغيّرت أخلاقهم، فيما نحن فشلنا في الانتصار لأنفسنا، وفيما فشل فيه سياسيونا، بما يملكونه من وقار وحشمة إلى درجة الخجل عن المطالبة بأبسط الحقوق العربية، لا أكبرها.