عبد الحميد أحمد

الموت ضحكاً

سمعنا مراراً عن الموت قهراً أو حزناً، كما سمعنا عن الموت حباً، وعن الموت صعقاً بالكهرباء أو حرقاً بالنار أو سقوطاً من عل، أو دهساً بسيارة أو دعساً بأقدام، واليوم نضيف للقاموس، الموت ضحكاً، كل أنواع الموت، السابقة فيما عدا الأخير، اختصاص عربي، أما الموت ضحكاً فهو اختصاص غربي جديد، حيث الهموم أقل والمشكلات أندر، والسعادة والهناءة أوفر وأكثر. فدوروثي جونسون، عجوز سبعينية إنجليزية، دخل عليها حفيدها الصغير، ولما رأت شعر رأسه القصير، ضحكت، ثم تعالى ضحكها حتى أغمي عليها من الضحك وماتت.. كما قرأنا خبرها أمس.. وإن تموت ضحكاً خير لك من أن تموت حزناً وبكاءً بلا كلام ولا نقاش، ونقول ذلك لأننا لم نسمع بعد عن عربي مات وهو مستلق على قفاه من الضحك، بل لعلنا من النادر أن نجد عربياً يضحك الآن، وإن ضحك فمن شر البلية، لا من السرور والفرح.. وهو إن فعل وضحك يلحق ضحكته بالقول اللهم اجعله خيراً. وزمان كان الضحك صناعة عربية، والطرف والملح والفكاهة التي تزخر بها كتب التراث تفوق ما عند غيرنا من الشعوب، غير أن الضحك صار اليوم نادراً، وإن وجد في نكتة أو حكاية فإنه خطر من النوع الذي يؤدي إلى داهية، لذلك نترك العرب اليوم إلى الإنجليز، لكي نضحك في يوم إجازتنا، فلا نموت كمداً، على ما نرى ونسمع، دون أن نستطيع أن نضحك ولو من باب فش الخلق. وعموماً فإن الشعب الإنجليزي معروف بحبه للفكاهة، على الرغم من جديته إلى حد البرود، خاصة إذا كانت تلك الفكاهة تدور عن الإسكتلنديين والأيرلنديين، مادتهم المفضلة في النكت، وإذا لم يجد الإنجليزي سبباً للضحك، خلق هذا السبب حتى لو كان شعراً قصيراً يودي بحياة عجوز كركرة، وأكبر فكاهي في تاريخهم المعاصر هو ونستون تشرشل نفسه الذي لا تزال حكاياته وقصصه يضحك لها الإنجليز والعالم، ومنها أن سيدة من حزب معارض هاجمته في جلسة لمجلس العموم وختمت هجومها قائلة: لو كنت زوجي لقدمت لك فنجاناً من القهوة فيه سم، فما كان منه إلا أن حدق فيها ورد: ولو كنت زوجتي لشربت الفنجان فوراً. ويقول الإنجليز إن قارئاً من أدنبرة أرسل خطاباً غاضباً إلى صحيفة لندنية كبيرة يقول فيه: إني أحذركم إذا لم تتوقفوا عن نشر النكات السخيفة حول بخل الإسكتلنديين؟ فسأتوقف عن اقتراض جريدتكم.

ومرة سأل إسكتلندي إنجليزياً: أتعرف آخر نكتة إسكتلندية؟ فرد هذا: لا، فقال: الإسكتلندي: أعطني خمسة بنسات لأرويها لك. هذه النكتة لا تدل على البخل فحسب، بل على حب المال حسبما يقول الإنجليز، ويدللون على ذلك بأن مواطنين إسكتلنديين تراهنا على عشرة بنسات لمن يستطيع البقاء تحت الماء فترة أطول من زميله، فغطسا ومن يومها تبحث الضفادع البشرية عن جثتي الرجلين.

ونشرت مرة صحيفة إسكتلندية الخبر التالي: وقعت قطعة نقدية من فئة البنس من أحد المارة في شارع بجلاسكو، فسقط على إثرها ثمانية قتلى و25 جريحاً من جراء التدافع لالتقاطها، وفاز بالغنيمة بطل في لعبة الجودو. وحدث أن كان إسكتلندياً مستغرقاً في نومه حتى تأخر عن عمله فأيقظته زوجته بهزات عنيفة من يدها، فلما استيقظ وجلس على السرير راح يكيل لها الشكر، فسألته: لماذا كل هذا الشكر؟ فأجابها: كنت أتلفن من أحد مكاتب الهاتف إلى عمتي في استراليا، فجئت وأيقظتني في الوقت الذي كان عليّ أن أدفع ثمن المكالمة. وعند الإنجليز من مثل هذه النكت آلاف، إلا أننا نكتفي بما اخترناه من نكت على الإسكتلنديين وحدهم فقد طلع لهذه الزاوية مؤخراً قارئ إنجليزي، نخشى زعله فيما لو أوردنا نكتة على الإنجليز بينما نستبعد أن نجد قارئاً إسكتلندياً، لا لأننا لن نجد من يعرف العربية بل لاستبعادنا أن يدفع إسكتلندي درهماً لقراءة الجريدة على ذمة الإنجليز طبعاً، أما لو طلع لنا مثل هذا القارئ الكريم، فلن يبقى أمامنا غير نكت الصينيين واليابانيين حتى نأمن زعلهم وغضبهم، كما امنا على أنفسنا من زعل العرب فتجنبنا ما يدور عليهم من نكت مع إنها على قدر شعر الرأس، إلا أن العربي لا يموت ضاحكاً بل كمداً، حتى وهو يستمع إلى النكت.
من كتاب (النظام العالمي الضاحك)، إصدارات البيان، 1998.