عبد الحميد أحمد

معهد الذمة العربية

منذ شهر وأكثر، ونحن منقسمون في الجريدة إلى فريقين: فريق بوشوي، وآخر كلينتون، ولا أقول جمهوري وديمقراطي، فالزملاء لا يجرؤ الواحد منهم أن يعلن أنه جمهوري أو ديمقراطي، وإلا صار مشبوهاً من الآخرين، وهم تعودوا أن يكونوا مشبوهين حتى من دون سبب، طالما أن الواحد منهم عربي ابن عربي.

المهم أن البوشويين من زملائنا يتمنون فوز مرشحهم، لأنه حرر الكويت وسدح صدام حسين أرضاً وأرغم إسرائيل على قبول المفاوضات وساهم في تدمير الاتحاد السوفييتي، وهم يأملون أن يفعل أكثر من ذلك للعرب وللعالم، ثم إنهم من الطراز القديم الذي إذا لبس الواحد منهم بنطلوناً وقميصاً بقي على جلدته سنة كاملة من دون تغيير، وأغلب هؤلاء تجاوزوا الأربعين من عمرهم، حتى برزت كروشهم وترهلت أجسامهم وأصاب شعر رأسهم الصلع، فهم يرون في بوش رجلهم ومحقق آمالهم، ويرون في رحيله عن البيت الأبيض خسارة كبيرة وانتقاصاً من نفوذهم، مع أن بوش لم يمنح أي واحد من هؤلاء دولاراً صدقة أو علاوة أو مكافأة، وهم يحتاجون إلى الفلس لا الدولار. ويذكرني هؤلاء بعجائز الفرح، أطال الله أعمارهن اللواتي أحببن جورج بوش من كثرة مشاهدته على التلفزيون أيام حرب الخليج، وأتوقع أن يقمن مناحات غداً في البيوت في حال خسر بوش معركة الانتخابات، ما يدعونا إلى إعلان حالة الطوارئ في البيوت غداً لمواجهة الموقف. أما الكلينتويون من الزملاء، فقد لاحظت أنهم من الشباب الذين يحبون التجديد والتغيير في كل شيء، حتى في رئيس الولايات المتحدة، ولا يطيقون الجمود الذي يصيبهم بالملل، لذلك، فإن الواحد من هؤلاء يرتدي كل يوم قميص كارو أو مزركش بالألوان الشبابية، وحذاء يلمع، مع تسريحة شعر مرتبة «كاجوال» وولاعة سجائر فاخرة، وربما وجدوا في كلينتون الشاب ضالتهم المنشودة، وفضلوا رؤيته في الصور وعلى الشاشة، على رؤية وجه جورج بوش العجوز، خاصة إذا كانت المقارنة بين زوجتي الرجلين بربارة بوش الختيارة، وهيلاري كلينتون الصبية الجميلة، ومرة ضبطنا أحد هؤلاء الكلينتويين، وهو يعمل في قسم الاستماع والرصد، يجلب لنا صور كلينتون في حملته الانتخابية وهو يصافح بعض الحسناوات، أسرع من البرق، فيما يخبئ صور بوش ويتأخر في إخراجها من جهاز الصور، لكي لا ننشرها. ونتيجة لهذا الانقسام عندنا، كما هو عند غيرنا من الصحف وبقية الناس فيما بين جورج بوش وبيل كلينتون حتى إن بعض الصحف صار يبشر بكلينتون في الأخبار والتحليلات، وأخرى تؤيد بوش خلسة بين السطور. أجريت استطلاعاً للرأي بين الزملاء، شمل خمسين منهم، فكانت النتيجة أن حصل كلينتون على 55 صوتاً (مع أن الذين شملهم الاستطلاع خمسون فقط بينما حصل بوش على 99.9٪). وبما أن تزويراً ولعباً حدث في الاقتراع، كما هو واضح، من النتيجة العربية الأصلية مارسه الليبراليون الثوريون التجديديون المؤيدون لكلينتون، ومعهم المحافظون الرجعيون الإمبرياليون المؤيدون لبوش على السواء، فقد سميت هذا الاستطلاع باسم استطلاع معهد الذمة العربية لقياس الرأي، طالما أن هذه الذمة واسعة وتفرخ حتى بين الصحافيين.

غير أن التحدي بين الفريقين أخذ يزداد ضراوة مع اقتراب موعد الانتخابات النهائية التي تجرى اليوم، فتحول إلى مراهنات بين الطرفين على عزائم وخرفان يسفح دمها الفريق المنهزم، لصالح الطرف الذي يفوز مرشحه غداً ويصبح رئيساً للولايات المتحدة، ولعل هذه هي الفائدة الوحيدة التي ستعود علينا من هذه الانتخابات، حيث سنأكل لحماً ورزاً لمدة أسبوع على الأقل، إذ إنه لابد لأحد من المرشحين، بوش أو كلينتون، من الفوز. وربما يسأل أحدكم الآن، عن موقفي من هذه الحملات والمنافسات، والحقيقة، أنه لما شعرت أن هناك مراهنات وخرفان مكلفة فقد قررت تأييد روس بيرو، الذي لم يدخله الزملاء في مراهناتهم، فنجوت بجيبي من المخاسير. أما لو حدث وفاز هذا غداً، فإنني سأكون موعوداً بالخرفان لعام على الأقل على حساب الفريقين الخاسرين، هذا لو صدق الزملاء في وعودهم، ولا تتحول إلى ما يشبه الوعود العربية التي نسمعها من سنين ولم نر لها طحيناً.

من كتاب (النظام العالمي الضاحك)، إصدارات البيان، 1998.