عبد الحميد أحمد

بوش أبو مروان

ما دخل العرب في صفقة أو قضية، أو كانوا طرفاً فيها من قريب أو من بعيد، إلا خرجوا خاسرين، يداً من خلف ويداً من أمام… وكأنك يا أبوزيد ما غزيت.

ومع أنهم ليسوا طرفاً مباشراً، في الانتخابات الأمريكية إلا أنهم اعتبروا كذلك، فالمرشح الديمقراطي وعد الأمريكيين أمس بإبعاد السياسة الأمريكية عن ميلها للعرب، في إشارة لسياسات جورج بوش المتهم إسرائيلياً بالانحياز للعرب لأنه يريد إعادة الأراضي المحتلة لأصحابها، ولو فاز اليوم فسيكون أول رئيس أمريكي يفوز من دون الصوت اليهودي، وسيكون السقوط النهائي لأسطورة هذا الصوت في أمريكا ولعبة انتخاباتها.

ولن نستعجل لأنه مع حلول ظهر هذا اليوم ستصل النتائج النهائية لهذه المعركة الانتخابية الصاخبة والمثيرة وسنعرف إن كان بوش قد نجح في إسقاط هذه الأسطورة، أم لم ينجح. غير أن العرب، كما نرى وكما هو واضح، ليسوا مع بوش كلهم وهم لم يكونوا في يوم ما مع شيء أو موقف واحد كلهم، وهم إن لم يختلفوا حتى على الرئيس الأمريكي، فليسوا عرباً.

صحيح أن هناك من العرب فريقاً كبيراً يتمنى فوز بوش، أو أبو عبدالله كما سماه بعضهم وآخرون سموه أبو مروان خاصة الخليجيين وعرب الدول العربية التي ساندت الكويت عند غزوها، ومن بين هؤلاء العرب الذين يأملون من بوش إجبار إسرائيل على إعادة الحقوق العربية، وهؤلاء لا يخفون رغبتهم وحبهم للرجل، وبالغ بعضهم في ذلك وألبسه العقال والغترة، وبعضهم سمى أولاده باسمه، ومازالوا يتمنون أن يبقى رئيساً لأمريكا، غير أن هناك عرباً آخرين يتمنون سقوطه نكاية فيه وانتقاماً منه، وسمعنا أن بعضهم يعد الاحتفالات ابتهاجاً بهذه المناسبة، وبعضهم صار يبشر بمنافسه حتى قبل موعد الثالث من نوفمبر بفترة ليست بالقصيرة، مما يعني أن العرب ليسوا محايدين في هذه الانتخابات ولهم مواقفهم المتضاربة كما هي العادة، وهي مواقف ضد بعضهم البعض أكثر منها ضد أعدائهم بما فيها إسرائيل، وأكثر مما هي مع مصالحهم القومية. إلا أن مؤيدي سقوط بوش يلتقون اليوم أغفلوا عن ذلك أم فطنوا، مع اليهود، الذين صلوا قبل يومين على حائط المبكى لكي يفوز كلينتون وهؤلاء لم يفكروا لحظة في قضية فلسطين، كما لم يفكروا بها من قبل، قدر تفكيرهم ورغبتهم في التشفي، وهي علة العلل العربية.

وبعض هؤلاء، لا شك سيحتفل مع صدام حسين فيما لو فشل بوش، وإن سراً، بــ «أم الهزائم» التي قلبها النظام العراقي نصراً، وأصر على أنه انتصر حتى بعد خراب العراق، لأن قائده بقي حاكماً فيما غريمه يسقط من الحكم كما سقط آخرون، من مارجريت تاتشر إلى ميخائيل جورباتشوف ورحلوا عن الحكم.

الخاسر في كل هذا ليس الشعب الأمريكي، الذي يصوت عادة لمصالحه، وعلى رأسها جيبه، بل هم العرب الذين لا يدخلون طرفاً في قضية إلا خسروها خسراناً مبيناً، كما بدأنا الكلام، لأنهم لا يدخلونها كطرف موحد كما تفعل إسرائيل مثلاً بل كأطراف وأشلاء، وكل منهم يغني على ليلاه، أو بلواه لا فرق.

ونضيف، إن جورج بوش ربما يدفع ثمن حب بعض العرب له الذين لم يخفوا هذا التأييد، حتى استغله اليهود في أمريكا، واستغله خصومه الديمقراطيون، ذلك أن العربي مشبوه في أمريكا، على عكس الإسرائيلي، الذي هو أمريكي أكثر من بعض الأمريكيين أنفسهم، ورغماً عن أنوفهم حتى لو كانوا في مستوى جورج بوش وجيمس بيكر، لنعرف من ذلك معنى القول من الحب ما قتل.

ونختم أنه إذا فاز جورج بوش اليوم وكذب استطلاعات الرأي، فإن الشعب الأمريكي يكون قد أسقط لأول مرة قوة التأثير اليهودي من حسابه، لصالح أمريكا أولاً وأصدقائها بما فيهم الأصدقاء العرب، أما إذا نجح منافسه كلينتون بالوعود التي قطعها لإسرائيل فسيبقى على العرب الذين أيدوه جهراً أو سراً، دفن رؤوسهم في الرمال خجلاً لنجاح المرشح الإسرائيلي لا مرشحهم كما افترضوا، لولا أن هؤلاء عودونا على قلة الحياء، واللهم لا شماتة.
من كتاب (النظام العالمي الضاحك)، إصدارات البيان، 1998.