أرصفة عربية

الأرصفة العربية

مثل عصفور مبلول، هش، ساخن، مرتعش، يدها الحبيبة في يده المعروقة، الصلبة، الخشنة، الوجلة.

يمسك بها برفق، يلامس لحمه لحمها الغض الناعم، كأنه يخشى أن تفلت هذه العصفورة من يده، تضيع وسط الزحام والضجيج والصراخ، كما ضاع هو وسط العواصم دهراً.

الشمس ترسل لهيباً حامياً يحرق الأرصفة، والأسفلت والسيارات والرؤوس والعمارات البكماء، الأرض تحتهما تسخن، تزداد حرارة، قال لنفسه وهو يمسح العرق عن جبينه وعينيه :

– متوحشة، لا قلب فيها، متوحشة خالية من الرحمة.. تفترس.. هذي هي الأرض.

ندى صامتة، كفّت عن القول والأسئلة منذ زمن، تمشي معه إلى البيت، اثنان على رصيف من الأرصفة الأخرى التي تزداد توحشاً وقسوة.. كانت تقول له:

– إني متعبة، لماذا لا نركب سيارة أجرة؟

يهصره الألم، يغرقه الحزن، يجيبها:

– البيت قريب وسيارة الأجرة ستكلفنا عشرة دراهم يا ابنتي.

ويصمت .. يفيض قلبه بالمرارة، يعصف به قهر أرعن، يكمل لنفسه كي لا يدنس براءة سؤالها:

– “عشرة دراهم نأكل بها نصف وجبة : آه لو تعلمين أيتها الصغيرة العزيزة! غداً ستعلمين”.

وصارت ندى تعلم كل شيء، الأرصفة علمتها كما علمت “أبو محمود” الاحتمال، القهر، الجوع، الحزن في الليل والنهار، الشعور باللا وطن و… الصمت الكبير الغاضب. كفّت ندى عن الأسئلة حين أجابتها حجارة الأرصفة وبؤس التشرد.

في الواحدة ظهراً من كل يوم يترك كل شيء في مكانه، سيرجع للعمل بعد الظهر، يعلم “أبو محمود” ذلك جيداً ، عليه أن يعمل خارج طاقته، كالآلة بلا عاطفة، عليه أن يعيش حتى لو كان ذلك وسط الجحيم، عليه أن ينجو من الذبح الشرعي وغير الشرعي، يغسل يديه من آثار الزيوت والشحوم، يقول لزميله في الكراج:

– “سنغ، أنا يروح الحين.. باي باي”.

يرد “سنغ” من تحت سيارة أو من فوقها :

-“باي باي….”.

لكن “أبو محمود” قال له اليوم.

– سنغ .. أنا ما يجي بعد الظهر، قول حق أرباب هذا.. أنا في شغل في مطار.

يخرج إلى الشارع في ثيابه الزرقاء الغامقة التي تتستّر على بقع الزيت وأوساخ الشحوم، يجابه الشمس وجهاً لوجه، رغم الأحزان الكبيرة القابعة في أعماقه تنم ملامحه الصارمة عن تحدٍّ عجيب لكل شيء يصادفه في هذه المدينة التي تلونت وتشكلت في زيف أخرق، قال لنفسه عدة مرات :

– “إنها مثل بقيه المدن.. وأرصفتها متوحشة كالأخريات! إنها خائنة”.

– يمر على ندى ذات الثلاثة عشر ربيعاً، يصطحبها معه إلى البيت، يمضيان كفارسين متعبين يستعدان لجولات مقبلة، اثنان فوق الرصيف، تحت الشمس الغضبى.

ندى اليوم صامتة، كلاهما صامت، أراد أن يقول لها إن اليوم بالنسبة له يوم خاص ذو مذاق آخر، حبيب، غالٍ،  ثمين،  ولكنه لم يقل شيئاً، سيقول لها ذلك حين يصلان إلى البيت، حين يقابلان أم محمود وهي مقبلة عليهما:

– “طبخت اليوم لكما مجدرة…”.

لا شيء في الخارج سوى أبواق السيارات المجنونة والحرارة والرطوبة الخانقة، الفراغ، الزيف، العمارات، الواجهات، الشوارع، البشر، لمَ كل هذا؟ أي معنى؟ فراغ لا يحمل اسماً أو معنى، أي هدف؟ يأس أمامهما في صور شتى، هل هي بداية النهاية لسنوات طويلة من الجوع والتشرد والنضال.. أي معنى كان للنضال إذن؟

العرق فاح وهو يغطي جسديهما ويبلل شعر راسيهما، أحست ندى أن للعرق مفعولاً سحرياً، يداً لذيذة تلامس لحمها، فثمة شيء ما يختنق، ينبض، يرتعش يريد أن يتمرد، يدها  ارتفعت، تحسست خفية صدرها، أصابها الخجل.. يدها الأخرى، العصفور الحبيب في يده الخشنة اللزجة.. يمضيان فوق الرصيف..

… منذ ثلاث سنوات، أول يوم لها في العمل، سألها:

-ماذا قالوا لك؟

أجابت ندى في سعادة:

– سألتني ربة البيت، هل أنت فلسطينية؟

قال لنفسه : “السؤال المعتاد.. المعتاد أبداً”.

واصلت ندى في فرح طفولي باهر :

– قلت لها نعم.. أتدري ماذا جرى يا أبي؟ سمعت ذلك ابنتها الصغيرة فأخذت تنشد في حماس: فلسطين بلادنا واليهود كلابنا.. ولكن..

ران عليها صمت مفاجئ، داهمها حزن توغل فيها بشراسة، أحست بفاجعة ما، دمعت عيناها، بكت، علا نشيجها، أخذها “ابو محمود” في حضنه:

– ماذا يا ابنتي.. شيء جميل أن تنشد الصغيرة ذلك، ماذا يبكيك؟

واصلت نشيجها، بكت، أحرقتها الدموع، قالت في كلمات متقطعة مذعورة:

– قالت لها أمها، هذا النشيد قوليه في المدرسة.. ثم..

– ثم ماذا؟

– ضربتها.. بكت الصغيرة خائفة.. سكتت.

اصطخب الألم في قلب “أبو محمود”، ارتعشت مفاصله كاد يبكي، يصرخ في الشمس:

“أنت عاهرة لأنك تشرقين فوق مدن لا تستحق النور والضياء”.

استجمع نفسه، كي يكتشف بقيه التفاصيل العربية والمسمار ما زال يوغل نخراً في عظامه..

قال لها :

– لا عليك .. فلسطين بلادنا، وستظل كذلك، ماذا جرى بعدها؟

هدأت ندى، أرخت رأسها الصغير الجميل فوق صدر أبيها.. قالت بهدوء وكلماتها المرتعشة تخرج من شفتيها كالسكين لتنغرس في قلبه :

– أعطتني عشرين درهماً، قالت اشتري لك مريولة تلبسينها حين تغسلين الصحون، وقالت لي، حين تأتين في الصباح ادخلي إلى المطبخ، قومي بواجبك، لا تخرجي من المطبخ، لا أريد أن أراك تختلطين بهند.. فهمت، لماذا يا أبي عاملتني بهذه القسوة، هل أنا شيء مخيف؟

أجابها في أسى مخنوق :

– كلا يا ندى.. أنت طفلة، ولا يمكن أن تخيفي أحداً، ولكن غداً ستعرفين القصة كاملة:

أكله الألم، شعر بغضب ينسرب إلى داخله، نهشته أنياب القهر الحادة، ثار “أبو محمود” أمسك بالكرسي بقوة، شد شعر رأسه، قال :

“الحصار.. الحصار”.

– ماذا؟

جاءه السؤال بريئاً كطائر حطّ في قلبه، أخذها في حضنه هصرها بين يديه بقوة، شعر بحرارتها، بأنه يحتضن وطناً كاملاً، تساقطت دموعه وبللت كالمطر كل ذكرياته.. نامت ندى فوق صدره المتعب، عشرون عاماً خارج الوطن فوق الأرصفة، في هذه المدن العربية القاسية، الفاجرة، ترفع سيوفها الخشبية، تهادن، لا تقاتل، أعمال كثيرة: بائع صحف، سجائر، سائق تاكسي، ميكانيكي، خباز، كاتب، مدرّس، لا شيء غير الحنين، القهر، الحلم بالبيت الذي  ولد فيه تنمو في حوشه شجرة زيتون كبيرة، يظلله، كانت كاذبة، خادعة، خائنة، كل العواصم والمدن، لا حقيقة إلا الدموع التي جفت فوق أرصفتها والحياة التي سفحت فوق شوارعها، وأخيراً . هنا.. النفط، المال يصنع كل شيء.. لا شيء مطلقاً.. أول يوم يا ندى سقطت ورقة التوت، ظهرت عورة هذه المدينة، عورة قبيحة كريهة. كنت أريد قضاء أو ل ليلة عند صديق أحتفظ بعنوانه لم أجد لي عملاً ومسكناً.. قلت لسائق التاكسي:

– “خذني إلى شارع العروبة..”. قال :

– “أوروبه.. شارع أوروبه كياهي رفيك”. كررت :

– “شارع العروبة.. العروبة، أكبر شارع هنا كما يقولون”.. ظل يلف به المدينة الأسمنتية ساعات بلا طائل، تركته، مشيت في الشوارع، ضعت ضياعاً آخر، كما ضعت في عواصم أخرى، وصاحب العمل.. صاحب الكراج، حيث وجدت عملاً قال :

-“أنت فلسطيني.. أليس كذلك؟ لا أريد المشاكل، لا سياسة، أنا يهمني العمل، أن أربح، لا أريد مشاكل”.

هكذا يا ندى .. أنت مخيفة.. ولدت فوق الأرصفة، وعرفت الأشياء الكريهة وأنت طفلة.

كانت ندى ما تزال نائمة على صدره حين حملها إلى فراشها، وبكى، يتذكر ذلك جيداً.. بكى حتى أشرق الصباح ليبدأ مشواراً جديداً من مشاوير غربته وتشرده.

يدها الرقيقة، ساخنة كعصفور ذبيح يفور الدم فيه، في يده لمح السماء، الفراغ، الزيف، ضغط بقوة يده على يدها، كان للعرق المنبعث من جسدها رائحة خاصة، داعبت أنفه، أشعلت أحلامه، هل يقول لها عن يومه الخاص هذا ؟

– ندى ؟

كسر الصمت المتشرنق بينهما، التفتت إليه باسمة ولكن في عينيها رأى ثمة حزناً بارداً، مخيفاً، كانت خطواتها قد بدأت تهدأ، قالت :

– نعم ..

– أتعلمين.. اليوم سوف يصل عمك “أبو سليم”.

– أحقاً، من فلسطين؟

أشرق وجهها، صار كتلة من ضياء يتدفق.

– نعم.. أبرق لي البارحة من أثينا.. استطاع الخروج أخيراً.

– إني سعيدة، لم أره في حياتي أبداً..

فجأة صمتت .. أرادت أن تسأله:

“لماذا تخرجون جميعكم”.. لكنها تذكرت لا جدوى الأسئلة، عبثها، خدشها إحساس بالتعاسة الحقة، بالمذلة، لكن وجهها ظل كتلة من ضياء بديع، قال لها كأنه أدرك كنه صمتها:

– سيأتي للزيارة فقط.. بعدها سيعود، أبو سليم لن يترك أرضه.

دفع بأنظاره إلى الفضاء، لاحت على وجهه غيمة حزن موشكة على الانهمار، قال :

-“سنعود كلنا، علينا أن نعيش بأي ثمن”.

الشمس ما تزال ترسل أشعتها الحامية، العرق يتفصد أكثر فأكثر، أغرق وجه ندى وشعرها، والبيت يقترب، ولقاؤه بأخيه “أبو سليم” يزداد قرباً، سيعانقه بحرارة، سيقبله، سيشم ملابسه، رائحة الزيتون والكروم والتراب.. سينظر طويلاً في عينيه، سيرى الوطن بكل جراحاته وكبريائه، سيرى فيهما مظاهرة ضخمة، “أبو محمود” و “أبو سليم” جنباً إلى جنب يهتفان بالنصر للعروبة، بالهزيمة للعدو، يرميان الحجارة، يحملان اللافتات، تتشقق حنجرتاهما وهما يهتفان:

“فلسطين عربية.. عربية”، يصرخ خلفهما عيسى :

– حسين .. مات، أصابته رصاصة جندي إسرائيلي.

“أبو محمود” يستشيط غضباً :

“السفلة.. السفلة” ينطلق كالسهم، ساعده يشتد، يصير قضيباً من حديد ، حجارته تصيب كالرصاص، .. يعتقل، يعذب، بعدها ينفى بعيداً.. لتتلقفه أرصفة العواصم.

سيمعن النظر في عيني “أبو سليم”.. سيرى محموداً مقبلاً :

– ابي، لقد صرت فدائياً.

يحتضنه “أبو محمود”، يقبله بين عينيه، يقول له :

– “إنه الفخر…”.

دمعت عيناه، فاختلطت دموعه بالعرق، تذكر محموداً. جاءه الخبر : “محمود استشهد” استقبله بابتسامة عريضة، شمّ فيها الآخرون رائحة الكبرياء.

ضغط بشدة على يد ندى، أحسها عصفوراً يضمد جراحه، يرتجف، يستعد للطيران.

في البيت، بعد الغداء، أخبر أم محمود ففاحت ابتسامتها في الأرجاء، أقبلت وأدبرت، جعلت ترتب البيت المتواضع، دخل “أبو محمود” الحمام، لم ينتبه إلى وجود ابنته ندى، كانت تبدل ملابسها، جفلت، احمرّ وجهها، حاولت أن تغطي جسدها، لكن عينيه أبصرتا ثدييها خطفاً، في سيارة التاكسي.. في طريقه إلى المطار تذكر ثديي زوجته أم محمود، ضامرين أعجفين، لا شيء فيهما، لا حياة، لا أمل انتهت الأغنية في الراديو، ابتدأت نشرة الأخبار :

“إليكم موجز الأنباء”.. عاوده الرصيف بحزنه وحرارته وتوحشه، يدها الرقيقة في يده، ثدياها الصغيران يكبران، يعلنان غضبهما – “استقبل”… “افتتح”… “تلقى التهاني” – تحت الشمس فوق الرصيف المتوحش الشرس، يشمخان، يشخب الحليب الناصع منهما، يتدفق كالشلال، يغرق المدينة، كل المدن العربية “مناورات النجم الساطع في مصر” – يشرب الجميع من نهر حليب ندى، يموت السفلة والخونة، يشرب الأطفال، تعلو هاماتهم، يكبرون فوق الأرصفة زهوراً تنغرس في الصخر تقاتل، – “… ترحب بالمبادرة السعودية” ـ تتحدى الدبابات.

يخرج من التاكسي، يدخل قاعة المطار، أبو سليم سيحكي له عن انتفاضه الشعب في الداخل: مظاهراتهم، احتجاجهم الفعلي، انتفاضاتهم الغاضبة الهازئة من ضجيج المدن النائمة وسكانها المتخمين.. يحلم بالحليب كالطوفان، بالأطفال، الزهور، يصطف منتظراً في عناد خروج “أبو سليم” من الجمارك. 

من المجموعة القصصية (البيدار)، دار الكلمة للنشر، 1987