عبد الحميد أحمد

في الكتابة مرة أخرى

  • لنتفق في البداية على أن ما نتحدث عنه هو «الكتابة» في بعدها الإبداعي، هذا ما أثرته في موضوع سابق استبعدت فيه الحديث عن الكتابة السهلة والصحفية والسريعة، في معرض ردي على دعوة الزميلين الحربي والمر للكتاب في الدولة إلى الكتابة، دون أن يميزا: أي كتابة؟

وذكرت أن الكتابة التي تعنينا إذا شئنا التجاوب مع الدعوة أو الرد عليها هي الكتابة الإبداعية التي تشكل إضافة وتجديداً وابتكاراً، سواء كانت في حقل أدبي مباشر أو غير أدبي، وهذا يعني رفض الكم الهائل من الكتابات على حساب الجودة والمعنى والمبنى والإضافة، وأشرت إلى أن الكتابة التي يجب أن ندعو إليها ونحرص عليها هي الكتابة الإضافية، الكتابة الجادة التي يحرص عليها كل كاتب جاد مسكون بهم الإبداع ووجعه، والذي يحترم كتاباته قبل أن يحترم جمهرة القراء.

والسؤال الذي يجب أن يطرح بناءً على ما سبق واستجابة لدعوة الأخوين الكريمة هو ما هي الكتابة وكيف ولماذا يكتب الكاتب؟ ولكن من أسف يبدو أن البعض قد أساء القراءة كثيراً. كيف؟

لن أتوقف في هذه العجالة عندما أثاره الزميل فؤاد زيدان في صحيفة «الخليج» والذي أعطى قضية «الكتابة» تعميماً اتهمني به، ووقع هو فيه، إذا كنت محدداً تماماً في الأسئلة التي أثرتها والتي تعيد الدعوة إلى جوهرها، أي الحديث حول «الكتابة» كنشاط إبداعي إنساني، وعلى الرغم من اتفاقي مع زيدان حول بعض محاولاته لتفسير ما سماه «أزمة» إلا أني أختلف معه حول «الاقحامات» التي زج بها زجاً في موضوعه، منها مثلاً الحديث عن ثقافة اتحادية وعربية مستشهداً بما سبق أن قاله الأخ عبدالغفار حسين، والأغرب من هذا الاتهام الذي ساقه بتعميم المشكلة وتعقيدها و«تغميضها» (جعلها غامضة) فيما كتبته بينما دفع هو المسألة المطروحة للنقاش والحوار إلى حالة من «الانفلاش» والتعقيد الغريب بتنظيره حول «الأنا» و«النحن» والأمة كوحدة ثقافية وطموح الذات الاجتماعية وأزمة الأمة وجماهيرية القضية إلى آخر القائمة، مع أن هذه المقولات لا نقلل من أهميتها وصلتها بالموضوع، ولكنها ليست مجال نقاشنا.

وكنت أتمنى لو أن زيدان تحدث مباشرة وبوضوح عن «الكتابة» في شطرها الإبداعي وبشكل محدد ليضيف إلى الدعوة والاستجابة لها ما يثيرها ويقاربها من جوهرها، الكتابة كإبداع إنساني محكوم بظروف ودوافع ذاتية وموضوعية، وكهاجس داخلي دائم يكابده الكاتب الصادق لنصل معاً إلى قاعدة ثقافية مشتركة ننطلق منها في حواراتنا المقبلة ولتشكيل رؤية واضحة حول الكتابة وإشكالاتها وطقوسها وأدواتها وشروط تحققها، كما كنت أتمنى أكثر لو أن الأخ زيدان قرأ مرتين ما ذهبت إليه بوضوح شديد، لكان قدم إضافة واضحة، ولتجنب فهم العلاقة الجدلية بين الكتابة والخبز والحياة والحرية على أنها العلاقة السفسطائية العقيمة بين الدجاجة والبيضة!

كما أرى أن الزميل فؤاد زيدان بحاجة إلى تحديد مصطلحاته ومفاهيمه وتفسيرها بشكل أكثر دقة، لأنه لا يمكن أن نعتبر أن أدوات الكتابة هي نفسها قنوات النشر ووسائطها، وهو الأمر الذي خلط فيه خلطاً حين قال في موضوعه: «إن مدى امتلاك أدوات الكتابة المتميزة ليس مشكلة في محيطنا العربي وخاصة في منطقة الخليج، فالصحافة تحتضن كل الأقلام وكل الكتابات بغثها وسمينها، بل يستطيع كثيرون تجاوز الصحافة ونشر المؤلفات اعتماداً على قدراتهم المادية أو الفكرية…» هكذا، إن أدوات الكتابة عند زيدان هي الصحافة والمال، وليست اللغة والقدرة والتعبيرية والمعرفة الشاملة والرؤية الفكرية والتجربة الحياتية… إلخ، وحبذا لو أن زيدان تحدث عن أدوات الكتابة لكان قد قارب وجهاً من وجوه مسألة «الكتابة» موضوع حوارنا وموضوع الدعوة.

على أن مسألة النشر، وهي قضية ثقافية، وعملية اقتصادية في الوقت نفسه هي من المشكلات التي تدخل ضمن هموم الكاتب، خاصة الجاد والصادق والذي يجد صعوبة في النشر، على عكس الآخرين الذين يستسهلون الكتابة وينشرون بسهولة أيضاً، إن تملك أدوات الكتابة هو ما يجب أن نركز حديثنا عليه، وهو الأمر الذي تفتقده كثير من الكتابات السهلة المخلة غير الجيدة تحديداً خاصة مع عدم وجود ضوابط صارمة للنشر وفي ظل التشجيع الأعمى والمجاملات والمحسوبيات حتى امتلأت الصحف والمكتبات بالكثير من الغث من الكتابات السيئة والرديئة، إن القدرات المادية لبعض الكتاب والتي تتيح لهم نشر كل ما تسطره أقلامهم، وتتيح لهم استسهال الكتابة، هو أيضاً وجه رديء لمسألة الكتابة، وهي الكتابة التي لا يستسيغها القارئ المبدع، قبل الكاتب المبدع، والتي لا يجرؤ عليها (!) الكتاب الجيدون!

إذن، ما طرحته سابقاً وببساطة شديدة هو البحث في مسألة الكتابة وأي كتابة نريد، واستبعاد الدعوة إلى الكتابة واستسهالها المخل تحت دافع حسن النوايا ومبرر الكم، وهذا أمر واضح وغير معقد كما أرى، أما مسألة سوء القراءة التي تقود بالضرورة إلى سوء التفسير والاستنتاج فقد وقع فيها كذلك الدكتور عبدالخالق عبدالله في معرض رده المنشور في ملحق «الخليج الثقافي»، وهذا ما سوف نتحدث فيه لاحقاً بالإضافة إلى المقاربة والإضافة الجيدة التي قدمها الزميل محمد الحربي، وسوف نتحدث كذلك عن القراءة كعمل إبداعي يوازي الكتابة كعمل إبداعي.

كل أحد

مقالات