المرأة الأخرى قصص البيدار

المرأة الأخرى

تفشت في أوصالها نشوة غامضة، آتية من عالم مجهول في داخلها. يدها اليسرى وبقية أطرافها تشتاق إلى فعل لم يمارس بعد. هكذا ران عليها إحساس بمسرة خفية، فتكتمت أمراً في سرها.

تمطت على السرير الواسع. ثوب النوم الأزرق يعانق جسدها في خدر. التفتت نحو اليمين: ها هو يغط في النوم، يعلو صدره ويهبط. شخيره مثل المنشار يأكل في خشب صلد، لعابه يسيل من زاوية فمه. منظر يثير فيها شعوراً مبهماً في هذا الليل البهيم، فسرته فيما بعد.

نهضت. تركت جثة بليده فوق الفراش. فتحت النافذة. عانقت الليل في الخارج. رحلت مع حبات النجوم الغارقة في أعماق السماء.

حين كان بيت أبيها مزداناً بالأنوار والمصابيح الصغيرة، الصفراء والخضراء والزرقاء والحمراء، مفروشة في كل  مكان، على الجدران، وفي أغصان اللوزة الهرمة، كانت تجلس في الغرفة صامتة.

ثرثرة النساء حواليها مثل نقيق الضفادع، وفي الخارج كانت الطبول تدوي بوحشية موجعة والأيدي المعروقة السوداء تتشابك وتنحل في حركات راقصة.

سمعت إحداهن تغمزها :

– لم أر امرأة لا يسعدها يوم كهذا.

أجابت أخرى بصوت يشبه الفحيح :

– زمن عجايب. علموهن. أفسدوهن.

اشتهت أن تكشر عن أسنانها. تنهش وجوه النساء، تمضغ اللحم ثم تبصقه خارج الغرفة وسط حلقة الرقص والهرج.

وحيدة.. في داخلها امرأة وحيدة، خارج الغرفة، خارج اللحظة، شعورها بالمرأة الأخرى في أعماقها حاصرها. ضيّق عليها المكان والزمان. خنقها.

– خلفان رجل تتمناه كل النساء.

عادت المرأة تفح. أجابتها الأخرى بكلمات ممطوطة :

– مال وشباب وسمعة .

أذان العصر . النساء يتدفقن من الأزقة والحارات القريبة. يتدافعن. لوحة سوداء من العباءات أمامها..  ” المكسار”. عرض للأزياء والعطور، للجاه! الأنظار تنصب فوق الحقائب. تشرئب أعناقهن. امرأة تتقدم. تفتح الحقيبة الأولى. تهتف :

– انظروا ! 50 فستاناً من الحرير. من كل الأنواع. ترفع في الهواء فستاناً فستاناً.. ثم :

– وهنا .. عطور.. صابون.. شامبو

ثم :

– وانظروا كم دفع خلفان. انظروا إلى الذهب. قيمته 60 ألف درهم.

تلمع العيون باشتهاء غريب. وتمضي المرأة :

– هذا غير المهر 100 ألف درهم.

همست إحداهن :

– لم يقصّر الرجل.

قالت عمتها :

– تستحق . بنتنا شابة. حلوة. متعلمة.

قالت لنفسها هازئة :

– اشهدوا : فلان سينكح فلانة.

ضحكت في أعماقها المشتعلة نيراناً.

الأفعى تفح من جديد في حسرة :

– ويه .. يا ضعف بختنا. هل تستحقه هذه؟

نظرت إلى وجوههن. أية تعابير؟ أية حماقة؟ رثاء!

في الجامعة، أحلامها كانت واقعية أمام صديقتها نورة:

– سأعمل في الصحافة. سأكتب عن المرأة.

قالت نورة هازئة :

– أية امرأة؟ أنا. أنت. أم البقية؟

أجابتها في نبرة جادة :

– بل عن المرأة في داخلي.. في داخلك .. في داخل كل النساء.

ضحكت نورة. قالت باستخفاف ملوحة بيدها في الهواء :

– هاه.. وستكتبين عني أيضاً. ما أجمل ذلك!

وأعقبت بعد أن وضعت يداً على قلبها :

– أنا في داخلي رجل.

لا فائدة .. نورة تثرثر مع البقية . تخدشها بين فترة وأخرى بنظرة فيها شعاع بالانتصار. اقتربت منها. همست عابثة :

– وهل ما زلت ستكتبين؟

كتمت بركاناً يوشك أن ينفجر فيها . صمتت. ظلت صامتة.

مضت نورة تعابثها في هزء :

– في داخلي محمد . سوف نتزوج عما قريب.

هل جاءت للتشفي كالبقية ؟ هل تحلم؟ هل تستطيع أن تحقق حلمها ؟

سألت نفسها . غاصت في سكونها الصاخب الذي يدمرها. يجرها إلى الأسفل. إلى قاعٍ دون قرار.

الأضواء تلمع في الخارج. ترى الأنوار الملونة تتسرب إليها عبر زجاج النافذة. غريبة. الطبول تدوي. تزداد صمتاً، عذاباً، تدميراً، شعوراً بالغربة والوحدة.

خنقتها. ضيّق عليها المكان والزمان. حاصرها شعورها بالمرأة الأخرى في داخلها.

تتوحش. انفجرت. صرخت :

– اخرجن ! اخرجن! لا أريد أحداً هنا!

تلفتت النساء. ذعرن.

– برع . اخرجن . هيا !

لملمن عباءاتهن . خرجن . همهمن :

– مجنونة .. هاذي مجنونة!

تنهدت . أحست براحة وهدوء ينسربان إليها.. لكن :

– يا مجنونة. يا كلبة. هل تريدين لنا الفضائح هذه الليلة؟

قبل أن ترفع رأسها دوت صفعة فوق صدغها. سلك بارد انتشر في أسفل ظهرها إلى قمة رأسها.

قال هائجاً مزبداً كالثور :

– أنت ملعونة. ليتني لم أرسلك إلى الجامعة. هل تريدين أن يقول الناس إن حمدان ألبسته ابنته ثوب العار؟

أغلق الباب بالمفتاح وخرج. تركها وحيدة. لامسها إحساس بالبهجة والرضا. بشيء من النصر المتواضع. فرحت ، لكن، قطرات من العذاب انداحت إلى قلبها وهي ترى خلفان مقبلاً نحوها جسداً بديناً في ثياب بيضاء عليها “بشت” أسود.

نقلت إلى بيته .

شهران:

يأكل . ينام. يخرج. يأتي. ينام. يأكل. يخرج..

تركت النجوم تغرق هناك في السماء. تنفست في الهواء الطلق. أغلقت النافذة. شعور غامض يثيرها في الليل البهيم. وجدت تفسيراً. وحيدة. ليست وحيدة. في داخلها امرأة أخرى استيقظت. تتوحش. كومت قبضتها. ستسددها بإحكام. شخيره مثل المنشار في الخشب. صدره يعلو. يهبط. جثة بليدة فوق الفراش. النشوة الغامضة تتفشى في أوصالها. تأتي من عالم مجهول في داخلها. تعذبها. تدفعها إلى الكتابة. ستكتب . الليلة ستكتب عن المرأة الأخرى. بالقلم . لا .. بالسكين. غداً ستقرأ نورة والأخريات ما ستكتبه الليلة.

على أطراف أصابعها تتسلل خارجة. تأتي بالقلم. النشوة تستبد. يعلو .. يهبط شخيره.. تكبر المرأة في الداخل. حجمها يستفحل. تصرخ في شراسة. تقترب هدوء . شخير. هدوء. ثم فجأة، صرخة مذعورة تشق سجف الليل.  يقفز ثور مقطوع ذنبه. يصرخ. يتدافع الجيران. يتلوى ألماً. تقف ضاحكة ملء الأشداق.

-ماذا جرى؟ ماذا؟

بقع دماء تلطخ الفراش قرب قطعة لحم صغيرة ضامرة وسكين تلمع.

– يا إلهي ماذا فعلت؟

تساؤلات مريرة ترتسم فوق الوجوه. خلفان يتلوى في إعياء. نساء لم يستطعن أن يكتمن ضحكاتهن. ينفجرن ضاحكات. يغضب الرجال. تضحك هي. يعلو ضحكها كهدير الموج.

*  *  *

ضربها أبوها. أخذت تضحك مسرورة. تذكرت نورة. لا شك أنها قرأت ما كتبته. حبسها في غرفة ذات نافذة وحيدة محكمة الإغلاق.

الشماتة. الأقاويل. السخرية خلف البسمات. المهانة. خلفان لم يخرج بعدها من بيته. لم تقم له قائمة.

وحيدة. حرة. توحدت بالمرأة الأخرى التي انكشف الستر عنها. يأتي المطر. تمد يدها خارج النافذة من خلال الألواح المحكمة. تلتقط القطرات. ترش بها جسدها. في الليل ترفع رأسها. ترى النجوم. تلتقط حبات منها. تصنع لعنقها قلادة جميلة.  تضحك!

المرأة الأخرى

قصص البيدار – عبد الحميد أحمد