عبد الحميد أحمد

هم ونحن

تجربة اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين غنية في مستوييها التنظيمي النقابي، والثقافي الفكري.

ونجاح مسيرة الاتحاد وصولاً إلى المؤتمر الأخير، يؤكد سلامة النهج الذي ارتضاه الأدباء اليمنيون، ويؤكد استمرار وثبات وقوة الاتحاد وإصراره على تجاوز الصعوبات والمعوقات، وعلى رأسها واقع الانفصال في الجسد اليمني، لا الروح اليمنية، والأهم أن التجربة تشير إلى الدور الطليعي الذي يلعبه الكتاب بصفتهم الشريحة المثقفة والواعية في المجتمع، والداعية أبداً إلى الوحدة والحرية والديمقراطية، وحرصها على ممارسة هذه الثوابت قبل التشدق بها ورفعها كشعارات. وإن اختلفوا فيما بينهم حول مسائل أدبية أو تنظيمية، فذلك الاختلاف ما هو إلا التنوع داخل الوحدة. والخلاف داخل الديمقراطية.

«لا يمكن لأم العروس إلا أن تمتدح ابنتها» … يقول ذلك الأخ عمر الجاوي، الأمين العام لاتحاد كتاب اليمن. بصفته الرجل الذي قاد ويقود مسيرة الاتحاد مع زملائه الآخرين في الأمانة العامة كأحمد قاسم دماج وعبدالصمد القليسي وغيرهم، والذين يبذلون الجهد والوقت في صمت لصالح اتحادهم وثباته وقوته على حساب إبداعاتهم الخاصة، وعلى حساب راحتهم، والرجل إنما يقول ذلك تعففاً عن المديح لهذه التجربة الأدبية اليمنية الناجحة، خاصة أنه يشارك في صنعها، ويقف على رأسها منذ سنوات.

لكن، ليعذرنا الأخ عمر الجاوي، في المديح الذي نسوقه له ولاتحاده، إذ نفعل ذلك من باب إقرار الواقع الذي لا يحتاج إلى شهادة منا، ولن تغيره إشادة وإن انزلقت إلى المديح عفو الخاطر.

كما نفعل ذلك أيضاً لتلمس جوانب هذه التجربة الناجحة ومحاولة الاستفادة من خطواتها ومسيرتها، متألمين في الوقت نفسه من الخروقات والطروحات المثيرة والخطيرة التي تعرض لها اتحاد كتاب وأدباء الإمارات خلال مسيرته القصيرة، ولا يزال يتعرض لها، من قبل أدباء «يدعون» الحرص على الاتحاد، من دون أن يواكب هذا «الادعاء» أي عمل حقيقي أو ممارسة صادقة تعطيه المصداقية وتثبت حسن النية.

وفي بعض المقارنات بين التجربتين ما يكشف سر ذلك المديح وسر هذا الألم.

اليمن يمنان: هكذا تقول السياسة مخالفة في ذلك الجغرافيا والتاريخ والثقافة، لكن في اليمن – ولا نريد أن نقول في اليمنين – اتحاد واحد للكتاب، متجاوزاً واقعه السياسي ومتخطياً الحدود بين الشعب الواحد، ومؤكداً في الوقت ذاته على مشروعية الوحدة، لا كحلم فحسب، وإنما كتاريخ وجغرافيا وكروح لا تقبل الانفصال والتمزق.

ومنذ تأسيسه، وخلال مسيرته كلها، كان اتحاد الكتاب اليمنيين واحداً موحداً، ورمزاً للوحدة الحتمية «المؤجلة» ولكم أن تتصوروا حجم المشكلات التي من الممكن أن تواجه الاتحاد ضمن هذا الواقع، بدءاً من المشكلات التنظيمية وليس انتهاءً بالمشكلات الفكرية والسياسية.

الوعي الصادق والحقيقي قاد أدباء اليمن إلى الوحدة، وإلى تثبيت اتحادهم وتكريسه على هذا النمط، ومن ثم تحدي الصعوبات والتغلب عليها وتجاوز الإشكال القائم على أرض الواقع، وهو وعي صحيح يليق بالكتاب ولا شك، لكن الأهم هو وضع هذا الوعي في محك التجربة، وممارسته عملاً وتنفيذاً قبل طرحه كشعار وادعاء، وذلك ما نجح فيه الكتاب اليمنيون أيما نجاح.

هنا، قاد الوعي المقلوب، أو الزائف، غير الصادق، أو المشوه، أياً ما تكن صفته وتسميته، قاد البعض إلى جملة من الدعاوى والممارسات ضد اتحادهم الوليد، فبدلاً من تثبيت الكيان الواحد والدعوة إلى وحدة الأدباء حدث الخروج المبكر على إرادة الجماعة الأدبية (الجمعية العمومية للاتحاد) وحدثت محاولات قهر هذه الإرادة والقفز من فوقها كاللجوء إلى الوزارة وطلب التدخل أو كاللجوء إلى القضاء لحل إشكالات تنظيمية، بينما الجمعية العمومية هي وحدها صاحبة الصلاحية لحلها والبت فيها.

وعلى الرغم من فشل تلك المحاولات والتي كانت كفيلة بالقضاء على الاتحاد كله، ومن ثم على وحدة أدباء الوطن، إلا أن ثمة أمراً خطيراً ظهر إلى السطح بفضل أصحاب ذلك الوعي «المقلوب».

ثمة دعوات وأفكار مثيرة للدهشة والعجب، وليس من وصف لها إلا أنها «غرائبية» تكاد تكون «سريالية» هي الكلمة المناسبة لها.

بعضهم مثلاً بدأ يطالب بــ «لا مركزية الاتحاد» وبضرورة استقلال الفرع التام عن المركز الرئيسي، وذهب هذا البعض بعيداً في «سرياليته» المزعومة حين تحدث عما أسماه «خصوصية» إمارة عن أخرى، وعن ضرورة إنشاء منطقة أدبية على غرار المناطق التعليمية والطبية (!)، ولا نقول العسكرية للأمانة، فهذا البعض لم يطرحها بعد!

لولا أن تلك الدعوات لم تكن صادرة عن أدباء وكتاب، لما استحقت أي التفاتة، إذ عندها يمكن القول: لا عتب على بائعي الخضار والسمك مثلاً!

… في الأحد القادم نكمل الحديث عن المشهد السريالي وعن تجربة الأدباء اليمنيين وأدباء الإمارات.

هم ونحن

كل أحد

عبدالحميد أحمد