عبد الحميد أحمد

الكتابة تغادر المقهى

الأحداث التاريخية الكبيرة، تحدث هزات عميقة في الإنسان وفكره ووجدانه، هذه الأحداث تشق فضاءات الأسئلة وتفض غشاء الذهول والانحطاط الفكري وتضع الإنسان في مواجهة نفسه عارياً لا سلاح لديه إلا الشك والمراجعة والمحاسبة، وتفتح أمامه أفقاً جديداً ومغايراً لما ألفه وتآلف معه من السائد الخامد، من العادي والمنسجم والبلدي. وتنقله إلى الاستثنائي وغير العادي ليعيد النظر في كل شيء، ابتداء من فكره وجدوى حياته، وليس انتهاء بمصيره ومصير شعبه.

وحالة الكتابة، حالة إنسانية أولاً، ولأنها كذلك فهي أول من يصيبها الشرخ في الحدث التاريخي، لتنتقل من جمودها إلى الحركة. ومن مألوفها إلى جدتها. ومن عبثها إلى جديتها.

تترك الكتابة مقعدها في المقهى حيث الثرثرة العقيمة وترحل إلى حيث ينبض الحزن والفرح الإنسانيين، وتغادر «قاموسها» المفلس ولغتها الميتة إلى حيث تنبثق ينابيع الكتابة وتمتلئ بالحياة والحرارة وتكتنز بالأسرار الجديدة واليقين، واللغة المشبعة بالصدق والصميمية.

وحدث بيروت، مفصل مهم في التاريخ، وانبثاقة المقاومة حالة جديدة كسرت رتابة الكتابة وذبولها، حين أخرست أقلام اللغات الميتة وأخجلتها حتى الموت.

ومن قبلها كانت المقاومة الفلسطينية التي ترعرع في عنفوانها أدب أصبح شامخاً الآن على مستوى الوطن العربي كما على المستوى العالمي، فنشيد الدم يطلق عنان الكتابة ويحررها من مستنقع الهمود والجمود واليأس والذاتي المرذول إلى رحابة الإبداع الإنساني المنفتح والمتجدد.

والمقاومة ليست كلها مقاومة للخارج، بل تبدأ بمقاومة الاحتلالات الداخلية القابعة في الأعماق الخفية، فالفلسطيني الذي يطعن عدواً إسرائيلياً إنما يقاوم يأسه وينتفض على استسلامه الداخلي ويحولهما إلى أسلحة ضد الاحتلال الحقيقي الخارجي، والمقاوم اللبناني الذي يفجر نفسه عند حاجز إسرائيلي إنما يفجر خذلانه الداخلي وخضوع ذاته للجمود ويحولهما إلى قنبلة فاعلة تتشظى في الاحتلال الأجنبي.

الذات هنا تقاوم احتلالها الخاص، بمقاومتها للاحتلال العام.

إن المقاوم يفعل هذا كل يوم، ليتحكم في تاريخه ويبني تاريخاً جديداً له. والكتابة أيضاً حالة مقاومة، تبدأ من مقاومة العادي والمألوف فيها إلى غير العادي، من مقاومة الارتخاء والكسل فيها إلى الحركة والانطلاق، من مقاومة انغلاقها على الذات المأزومة إلى انفتاحها على الخارج بكل فورته وسخونته وآلامه وأحلامه، من مقاومة البلادة والثرثرة والخواء والعبث والاستسلام فيها إلى الهجس والصمت الحكيم والامتلاء والتمرد والحياة. الكتابة هنا تحرر نفسها من سجن اللغة وتنفلت إلى آفاق حريتها.

وفي الأحداث التاريخية تعيد الكتابة النظر في ماهيتها وجدواها ودورها، لتنفلت من آثار ركودها واستسلامها غير المعلن، الذي تغلفه بعبارات تدعي «التمرد» و«الثورة» بينما تكرس في ممارستها الفعلية «اللا تمرد» و «اللا ثورة» في الكتابة نفسها.

«إن نعيد النظر في الكتابة، إن نثور اللغة الكتابية هو أن نتجاوز حدود الكتابة بحصر المعنى، نحو الواقع، ونحو التاريخ، الكتابة لا تكتفي بذاتها، لا تقول ذاتها وحسب، ليست نصاً لغوياً محضاً قائماً بذاته ولذاته، ليست ذاتاً صامتة، ولا تتحدث حين تتحدث إلا مع نفسها، ولا يستطيع هذا البياض – بياض الصفحات – على اتساعه أن يأسر الكتابة. الكتابة في عصر ما هي العصر كله. وإلا فإنها لا تستحق عناء القراءة، الكتابة كلية أو لا شيء.

ويمضي «أدونيس»، المختلف عليه، في حديثه حول الكتابة ودفاعه عن حالة «تثويرها» الحقيقية ليقول: «انظروا إلى أية قرية من قرى الجنوب المذبوح، شخصياً، حين أفعل، أي مباشرة، حركية المشهد وسره: الأطفال. وفيما أراهم، لا تفارقني هذه الكلمة لفيكتور هوغو: «لم يكتشف كريستوف كولومبس إلا القارة الأمريكية، أما الطفل فقد اكتشفته أنا»، إن ما يحدث في الجنوب (وفي لبنان كله) جدير فيما وراء السياسة والوطنية، الغزو والاحتلال، أن يوقظ «إنسانياً» أهل العناية بــ «الإنسان» وبــ «الكتابة» على الأخص، من السبات الذي يتحول إلى ما يشبه الداء: عمى الذهن، وعمى الحاسة، وأن ينتشلهم من مستنقع الجلوس بانزواء منتفخ، يثرثرون، ويهرقون بما لا يعرفون، فيما يرون إلى العالم حولهم من خلل زاوية ليست أكبر حجماً من الملعقة التي يحركون بها فنجان القهوة اغسليهم، هم أيضاً، أنت يا دماء الجنوب، وأنت يا ينابيع الكتابة».

تغادر الكتابة مقهى الاستسلام واليأس، إلى ساحة الفعل و«التنوير» الإبداعي الحقيقي ليصبح حبرها دم المقاوم، وليصير دم المقاوم حبراً لها، حين تتجه إلى التاريخ وإلى الحياة.

كل أحد 

عبدالحميد أحمد

 

()