على حافة النهار

على حافة النهار – بقلم فريد نعمة

تتألف المجموعة من ست قصص وهي: خرّوفة، نسمة هواء طائشة، على حافة النهار، غواية، الصدى، الطائر الغمري. تبرز من بين هذه القصص، قصة «على حافة النهار» لتتصدرها وتحتل صفحة الغلاف. والحقيقة، هي أجمل قصص المجموعة وأكملها بناء.

ولا نعني بذلك الغض من قيمة القصص الأخرى، إلا أن قصة «على حافة النهار» تستأثر بالاهتمام وتفرض نفسها في الحديث عن هذه المجموعة. الجذاب فيها الأسلوب الرشيق المنطق كنمير جدول يسيل مجراه الفضفاض، حتى إذا ما وصل إلى اليم، توقف عند الحافة، حافة الماء أو حافة النهار ثم يمضي جسماً هلامياً ليذوب في البحر، وجبين مريم يغيب في الأفق.

وكي يوصل القاص مفاد جبين مريم، وهو مغزى القصة، لجأ إلى الإسهاب في المقاطع التصويرية المتشحة بغلالة من الرمز والعاطفة، واعتمد التغاير في التجاور (صورة مريم إلى جانب نقيضها صورة نبيلة)، وتناوب النظائر (تختفي مريم لتظهر في صورة أخرى وفي زمن لاحق، وكذلك نبيلة)، فيتم بظهورهما ترابط الأفكار ووحدة القصة، والإقلال من التشويش في جو القصة المشوش. لذلك وظف القاص ألفاظاً موحية تتساوق فيها الألوان وتتناغم مع الغرض المعد لها. إذا قلنا إن صورة مريم ساطعة (موجبة)، وصورة نبيلة باهتة (سالبة)، ووضعنا عينة من هذه الألفاظ في تعارض:

موجبة/

جلنار، نرجس، نرين، بنفسج، فراشة، كريستال، شلالات، وشوشان، براءة، عصافير.

سالبة/

ذبول، أعشاب، طحالب، قناني، ديدان، مساحيق، هستيريا، طلاسم، أكذوبة، ذئاب.

لوجدنا هذه الألفاظ وهي في حالة الأفراد موحية بتلك الصور. وبين الساطع والباهت من الألفاظ تتردد كلمة «حافة» باستمرار (على حافة النهار – حافة الهاوية ص 39 – على مشارف الجنون ص 43 – الحافة بين الليلة الأولى والثانية ص 50 – على حافة نهار ينسلخ ص58 – على حواف الليل ص 59)، وهي بذلك تنذر أو تبشر.. بماذا!؟ بالسقوط؟ بالنهوض أم بالهروب؟ ممن!؟

من مريم؟ من نبيلة؟ أم من الاثنين معاً؟ من هي مريم؟ ومن هي نبيلة؟

مريم نهار ونبيلة ليل، وبين الليل والنهار تتحرك جثة يدفعها حريق الجسد إلى ماء امرأة، ويدفعها جفاف الروح إلى ماء امرأة أيضاً، مريم تشع بالحقيقة، نبيلة يكتنفها الغموض المزيف. تظهر مريم في ثوب مدرسي، وتظهر نبيلة في ثوب يشف عن جسدها الأبيض. مريم عادية الجمال، وجهها من تلك الوجوه التي يراها المرء فلا تثير فيها شيئاً، نبيلة باهرة الجمال كأنها تمثال قديم لآلهة الجمال أو الحب. ضحكة مريم فراشات وزنابق ونوارس، وضحكة نبيلة إغراء وكحل أسود. بإيجاز، «مريم» تشع عيناها بسحر جميل يترقبه البشر الحالمون على أطراف المدن وهم يصنعون من مساءاتهم الحزينة خيوطاً لنهارهم المرتقب الجديد «بينما نبيلة» سيدة مدن الخرائب الطالعة من الحريق مكللة بغار المجد… مكللة بالليل والأكاذيب والفناء.

مريم ونبيلة عالمان منفصلان، إلا أنهما يلتقيان في نفس الراوي. وهما معاً يشكلان عالماً واحداً وهو عالم تلك المدينة، أو عالم كل إنسان، أو الذات البشرية. ونحن نراهما من خلال عين الراوي، ولا نراهما كشخصيتين مستقلتين تتمتعان بالعمق النفسي والخصوصية الفردية، وإنما كرمزين يتفاعل الراوي مع وجودهما الفيزيولوجي تفاعلاً عاطفياً ووجدانياً. ومع ذلك، وفي لحظة ما، يلتقيان خارج ذات الراوي: «نبيلة تقدم جسدها لجلب الدرهم، ومريم تخبر الراوي قبل رحيله: كل شيء مفتوح لجلب الدولار».

هنا تتلاشى الفوارق، وتصبح مريم نبيلة، وتصبح نبيلة مريم في كونهما ظاهرتين أفرزتهما المدينة التي ينتميان إليها، أو في كونهما منحنيين لإفرازات الذات البشرية. إنهما ضرورتان ليس بمقدور الراوي أن يتخلى عن إحداهما لصالح الأخرى، وهو يسعى إليهما ويستجيب إلى تأثيرهما استجابة برادة الحديد للمغناطيس، دون تفكر أو تردد وتأمل مما يخفف من تصعيد الحدث ويجرد الحبكة من العمق.

هذا اللقاء، في لحظة ما، بين مريم ونبيلة، يتناظر مع لقاء الراوي نبيلة وليس بمريم إنه «جثة تتحرك في سيل البشر، لا علاقة له بها، يحملها ويمضي دون أن يحسها، وليس في رأسه إلا جبين مريم» إلى أن يجد لها هوية مع جثة أخرى: «إن اللحم الذي يملأ جسدها ليس لحمها وإن الدم الذي يجري في عروقها اختلسته من آخرين، وإن وجهها بين أمسها ويومها استعادته لتواجه عريها الحقيقي». ومع هذا الإدراك تقوى الحاجة إلى مريم. لكن مريم تتلاشى ومثلها نبيلة، عندما يركب الراوي الطائرة: إنه سيجد في مدينة المقصد، وفي كل مدينة، «من المدن المتآكلة المنهارة» مريم ونبيلة معاً، وليس مريم وحدها، مريم الأمل بالنهار بعد الليل.

عبد الحميد أحمد 

()